هذه المرة إنها الحرب، بهذه العبارة وصفت جريدة فرنسية شهيرة الأحداث التي وقعت في باريس، وفي نفس السياق وصف الرئيس الفرنسي الهجمات بالعمل العسكري المدبر من طرف جيش عسكري.

هذه الأوصاف تبرهن على انتقال الدولة الاسلامية إلى مرحلة أكثر دموية، أو بالأحرى إلى مرحلة العنف الممنهج، ومهاجمة العدو في عقر داره، و للأمانة فقد وفى هذا التنظيم المتشدد بتهديداته القديمة الهادفة أساسا إلى نشر الرعب، والزيادة من حاضنته الشعبية، وذلك عن طريق إحداث فوضى اجتماعية تسود فيها المذهبية والطائفية.

عملية باريس ليست الأولى ولن تكون الأخيرة ما دامت الأوضاع في العراق و سوريا فوضوية، إنها تجسيد لانبعاث إرهاب جديد عابر للقارات، إرهاب فعال وبالتأكيد يصعب محاربته واستباقه، إن مقاربة هده الظاهرة الجهادية الجديدة تستوجب العمل على محاربة أسبابها والعمل على إيجاد حلول ناجعة لمختلف حيثياتها، ابتداء من اعتناق الفكر المتطرف وانتهاء بمصادر التمويل والدعم اللوجيستي.

وإليكم الأسباب الرئيسة التي ساهمت وسهلت تنفيذ العمليات النوعية الأخيرة لتنظيم الدولة الإسلامية: (تفجيرات الضاحية الجنوبية لبيروت، الطائرة الروسية…)، مع التركيز على مجزرة باريس؛ باعتبارها عملية إرهابية نوعية تستحق الدراسة والتحليل العميق.

 

عدم جدية العمليات الجوية في العراق وسوريا

مند أكثر من عام وطائرات أكثر من ستين دولة تصول وتجول بكل حرية في الأجواء العراقية والسورية، هذه الترسانة الضخمة من الطائرات الحديثة، والمتطورة تحارب عدوا واحدا مكشوفا متمثلا في تنظيم الدولة الإسلامية دون غيره من التنظيمات الأخرى المدرجة على لائحة الإرهاب. بالرغم من ذلك ما زال هذا التنظيم باقيا ويتمدد كما يردد أنصاره، والواقع الميداني يدل على ذلك، من الناحية العسكرية هدا يعتبر مفارقة غير مفهومة تدل على أن هذه الضربات غير جدية، وموجهة أساسا للاستهلاك الإعلامي.

وأكثر من ذلك، فهذه الضربات انتقائية، إن الولايات المتحدة الأمريكية ـ على سبيل المثال ـ تستهدف فقط الدولة الإسلامية في المناطق التي ينشط فيها حلفائه (قوات سوريا الجديدة والبشمركة الكردية)، وفي المقابل تتغاضى عن تقدمها في مناطق أخرى، معدل الطلعات الجوية لا يكاد يتجاوز المائة في اليوم، مع العلم أنه تجاوز الثلاثة آلاف طلعة جوية إبان الاحتلال الأمريكي للعراق، إجمالا يتبين أن الضربات الجوية على معاقل التنظيم لا ترمي إلى القضاء عليه، أكثر من ذلك فقد فشلت في احتواء خطره وخطر الإرهاب الدولي العابر للحدود.

 

فشل سياسة المقاربة الأمنية

إن تغليب المقاربة الأمنية للتعامل مع معضلة التطرف هو في الحقيقة جزء من المشكلة، وليس حلا لها؛ فسياسة الاعتقالات والمراقبة الأمنية ليست ناجعة بتاتا، بالمقابل فهذه المضايقات الأمنية تساهم في ترسيخ الفكر المتطرف لدى بعض الشباب خصوصا الأوروبين فمنفذو عملية باريس مثلا كانوا معروفين لدى أجهزة الأمن الفرنسية، سامي أميمور أحد الانتحاريين كان رهن المراقبة القضائية، إسماعيل مصطفى سبق أن تمت إدانته، صلاح وابراهيم عبد السلام صدرت في حقهم مذكرة اعتقال دولية، منفذ عملية احتجاز الرهائن في مطعم الأكلات اليهودية تشبع بالفكر المتطرف داخل السجن، يتبين إذن أن المقاربة الأمنية الصرفة لن تمنع الجهاديين من تنفيد عملياتهم الدموية.

 

القدرات البشرية والتقنية للجهاديين

من المؤكد أن جهاديي اليوم ليسوا مثل جهاديي الأمس، فأغلب معتنقي الفكر الجهادي من الشباب الأوروبي هم من ذوي الكفاءات العليا ويتميزون بقدراتهم الرهيبة في المجال الأليكتروني والمعلوماتي، واختراقهم لحسابات قنوات فرنسية وأشخاص رفيعي المستوى في الولايات المتحدة الأمريكية خير دليل على ذلك، قبل حدوث مجزرة باريس نشرت مواقع مقربة من تنظيم الدولة الإسلامية أشرطة فيديو تهدد فيها فرنسا بحمامات دم. هذه البروباغندا الإعلامية الجبارة والفعالة ساهمت في انضمام جيل جديد من الشباب المتمرس، القادر على تجاوز مختلف الإجراءات الأمنية و التنقل عبر الحدود بسهولة، كما هو الحال بالنسبة لأحد انتحاريي باريس القادم من إدلب في سوريا.

هذه الأسباب مجتمعة أو منفردة، مكنت تنظيم الدولة الإسلامية من الانتقال من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم، وفي غياب إرادة وتوافق دوليين فإن هجمات أخرى أكثر دموية وعنفا ستكون منطقية، بل متوقعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد