كل شيء في الدنيا سماعه أعظم من عيانه، وكل شيء في الآخرة عيانه أعظم سماعه. وقد ألِف الناس هذا الشعور منذ القدم؛ فعلى سبيل الذكر كان النعمان بن المنذر معجبًا بضمرة بن ضمرة، وكان يرجو أن يراه لما سمع عنه من بطشه وبأسه، واتفق أن دخل عليه يومًا فاقتحمته عينه واستقبح هيئته، وقال فيه مثله السائر: «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه».  هذا القول بتمامه ينسحب على اليابانيين في عاصمة النور، ومع أن الخيال أجمل بكثير من الواقع لأننا نرتب وفق طموحاتنا، لكن رؤية اليابانيين تختلف عن غيرهم.

يعاني البعض اضطرابا غير معتاد عند زيارتهم باريس، ويمثل السبب الرئيسي لهذا الاضطراب صدمة الواقع؛ فهؤلاء قد رسموا لباريس صورة مثالية في عقولهم، تمامًا كما رسم النعمان بن المنذر صورة مهيبة لضمرة، لكن الواقع جاء دون التوقعات بكثير، وكانت الفجوة بين الواقع والمتوقع كبيرة إلى حد الصدمة، لم يحتملها اليابانيون فانهاروا ولم يتحملها النعمان فأرسل لسانه بمثل يجوب الأرض إلى هذه اللحظة.

أُطلِق على التناقض بين الواقع والمتوقع اسم «متلازمة باريس»، وغالبية من يصابون بمتلازمة باريس هم الذين سحروا بالثقافة الفرنسية، وتشبعوا بالجمال الفرنسي عبر قراءة الروايات والأدب الفرنسي؛ فعاشوا حالة من الهيام بددها الواقع؛ فكانوا يتوهمون أن ملابس الباريسيين من دور الأزياء الراقية، وأن الرجل والمرأة الفرنسيين يمتلكان قوامًا فرنسيًّا كالذي تتغنى به الروايات، وأن العود الفرنسي الذي يحلمون به سيجدونه في باريس لا محالة، وأن مظهر مدينة النور لا يقل مثقال ذرة عما يراه محبوها في الشاشات الكبيرة والصغيرة.

لم يفكر المتعبون أن باريس لا تزيد عن بلدهم التي تحتويهم؛ فأفضل ما فيه من أزياء صممت للتصدير ولم تصنع للاستهلاك المحلي. قليلون من الفرنسيين يطيقون تجشم تكاليف شراء ملابسهم وعطورهم وأحذيتهم من بيوتات الأزياء والعطور والجلود الفخيمة. ربما لو خفّض هؤلاء سقف توقعاتهم لم يعانوا من هذا التباين، لكن رفعهم سقف التوقعات حشد لهم الكثير من أسباب ودوافع رفض الواقع الفعلي؛ فكانت متلازمة باريس أشد وقعا عليهم من غيرهم.

واليابانيون من أكثر الشعوب إصابة بمتلازمة باريس، ولعل الياباني التاث عقله من الهوة السحيقة بين واقع باريس والصورة التي شكلتها الأدبيات الفرنسية في عقله الباطن. أدى ذلك لتصميم الطبيب الياباني هيروكي أوتا Heroaki Ota على دراسة الانهيار الذي ينتاب اليابانيين عند زيارتهم باريس، وقد استرعى انتباهه اتصال الكثيرين منهم بالسفارة اليابانية في باريس طلبًا للمساعدة، ومنهم من طالب بتسريع إجراءات عودته إلى اليابان.

تفرغ هيروكي أوتا عام 1986 لدراسة هذه الحالة الغريبة، وأكد أنها حالة نفسية يتعرض لها أغلب السياح اليابانيين في فرنسا؛ فيشعر الشخص بخيبة أمل وإجهاد واضطرابات نفسية. وكان من بين الأسباب الرئيسية لهذه المتلازمة؛ المغالاة في الإعجاب بالمدينة الفرنسية، واختلاف الثقافة، وحاجز اللغة، والترتيبات المرهقة للرحلة من اليابان إلى باريس، وأسباب فرعية أخرى.

المغالاة في تقدير المدينة تخلق نوعًا من القلق، والقلق في حقيقته محاولة للحفاظ على مكانة المدينة دون تراجع، وهذا أمر شبه مستحيل؛ فيتواصل القلق ويؤدي إلى هلاوس. الإعجاب المبالغ فيه للمدينة له ضلع في هذه المشكلة؛ فالمغالاة في الإعجاب بالمدينة تخلق توقعات تكاد تقترب من الغول والعنقاء والخل الوفي. وأنت عندما تغالي في محبة أحدهم ستتألم كثيرًا يومًا ما، ولذلك ينصحك على بن أبي طالب -رضي الله عنه- بالتوسط في الأمر قائلا: «أحبب حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما».

اختلاف الثقافة يلعب دورًا مهما في انتشار متلازمة باريس بين اليابانيين على وجه الخصوص؛ فهم لم يستوعبوا طريقة عيش الفرنسيين اليوم، ربما تشربوا معلومات مغلوطة عن الرومانسية الباريسية، لكن هذه الرومانسية لا متسع لها في عالم اليوم. حاجز اللغة له مساحة عريضة في ظهور متلازمة باريس؛ فصعوبة التواصل المباشر مع الفرنسيين تحجب جزءًا من الصورة، وعليه فإن الحكم على الفرنسيين يفتقد جانبًا لا بأس به من المصداقية. كما أن التحضير الطويل للرحلة والسفر يسهمان بدرجة ما في ظهور تلك المتلازمة.

قديمًا شكا بعض الملوك لوزيره من سوء مظهر زوجته، وأنه لا يراها في يومه كما يراها في غرفة نومه؛ فقال الوزير وكان حكيمًا: «يا مولاي! المائدة للطعام والمرأة للفراش». قصد الوزير أن يلفت انتباه الملك إلى أن النظر للطعام أثناء تحضيره قد يصرف الشهية عنه، وأن النظر للمرأة وهي تؤدي عمل البيت قد يقلل من جمالها في عين زوجها، وعليه فإن توقعاتنا من الناس حولنا يجب أن تتسم بقدر من المعقولية، وألا نتشدد في طلب الكمال؛ فالكمال في البشر وأفعالهم من المحال.

ينصح الأطباء الأشخاص الذين يعانون من متلازمة باريس بالعودة لبلادهم على جناح السرعة، كما يفضل أن يحاول أهلوهم الترفيه عنهم وإخراجهم من الحالة النفسية السيئة. وفي الحالات الشديدة فإنه ينصح ألا يزوروا باريس مرة أخرى. وننصح كل من ينشد الكمال أن يثوب لرشده، وأن يجتهد قدر استطاعته في تحسين نفسه، وأن يقبل الناس والأشياء من حوله كما هم، وألا يرهق نفسه في البحث عن المدينة الفاضلة أو الإنسان الكامل.

عندما تقلل سقف توقعاتك من الآخرين؛ فأنت أقدر على التعامل معهم والتودد إليهم، أما من يبحث عن التطابق بين الواقع والمتوقع؛ فهو يطلب سرابًا بقيعة وسيلعق حيرته إلى أن يخرج من الدنيا. لا تطلب المستحيل وتوهم نفسك أنه في متناول اليد، وعش بعقل يتقبل الحياة بما فيها من خطأ ويتسامح معها. هامش الخطأ يسمح لك بتقليص الهوة بين الواقع والمتوقع، ويجنبك الوقوع في فخ خيبات الأمل الصادمة، ويحفظك من الانهيارات النفسية والعصبية، ويحيطك بسياج من الحكمة والعقلانية في تناول الأحداث.

يعيش اليابانيون حياة صارمة ودقيقة ومنظمة، وكل شيء في حياتهم يسير وفق آلية لا تقبل الخلل والتهاون؛ لذلك فإن تأثرهم النفسي والعصبي بالاختلاف الشاسع بين الواقع والمتوقع في باريس جرّ عليهم اضطراب متلازمة باريس، ولأننا لم نصل إلى ما بلغه اليابانيون؛ فقد جنبنا الله تعالى شر متلازمة باريس، ويجعله عامر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد