تعالت الكثير من الأصوات مؤخرًا، والتي تسأل أسئلة استنكارية عن كون ما حدث في غزة يُعد انتصارًا، وأن ما أنجزته المقاومة الفلسطينية المعروفة بالتطور الذاتي يُعد نجاحًا، وهل صمود الشعب أمام آلة القتل الصهيونية كان بإرادته أم رغمًا عنه؟ والكثير من الاستفسارات التي تتذيل بأن غزة لم تنتصر، وأن الاحتلال أراد ذلك، وأن ما حدث هو خطة رسمها بنيامين نتنياهو في رأسه منذ اليوم الأول للعدوان.

يرى هؤلاء أن غزة لم تنتصر، فالعملية العسكرية استمرت لمدة 51 يومًا، وأوقعت نحو 2100 شهيد، وما يزيد عن عشرة آلاف جريح، ودمرت آلاف الوحدات السكنية بشكل جزئي وكلي؛ مما جعل عشرات الآلاف دون مأوى في المدارس التابعة للأمم المتحدة قبيل بدء العام الدراسي الجديد بأيام، هذا على الجانب الميداني.

أما سياسيًّا يؤكدون نظريتهم بأن حماس لم تستطع أن تخرج من شباك مصر، إضافة لعدم قدرة الحركة الإسلامية على مشاركة حلفائها – تركيا وقطر- في المفاوضات، ويعتبرون ذلك فشلاً سياسيًّا آخر للحركة، بجانب الخسائر التي تقدر بـ 3.5 مليار دولار.

كما أن هناك رأيًا وسطيًّا يقول إن غزة لم تنتصر، وذلك للأسباب ذاتها في الأعلى، وأن إسرائيل أيضًا لم تنتصر، مستندين على أنها لم تحقق ما أرادت، فلم تسترجع جثماني جندييها، ولم تستطع نزع سلاح المقاومة، كما اضطرت للانسحاب من حدود القطاع ووقف عمليتها البرية نظرًا للخسائر الكبيرة التي تكبدتها، إضافة لصورة جديدة في تاريخ إسرائيل وهي طرد المقاومة لسكان الجنوب، علاوة على انحدار تأييد قرارات نتنياهو من 82% إلى 32% حسب استطلاع رأي أجرته القناة الثانية الإسرائيلية، وعدم قدرة المجلس الوزاري المصغر على اتخاذ قرار بالعودة لاحتلال غزة، مع اعتبار أنه مطلب يحظى بتأييد واسع في جميع أوساط إسرائيل.

التحليلات السابقة استندت على دلائل دون الالتفات إلى موازين القوى العسكرية والسياسية في المنطقة، فنتنياهو تبجح وقال إن هناك إجماع عربي ضد المقاومة في غزة، موضحًا أن ثلاث دول فقط من تؤيد حماس، وهي قطر وتركيا وإيران، علاوة على أن المفاوضات التي حصلت برعاية مصرية في القاهرة لعب فيها الوسيط المصري كل الأدوار إلا دور الوسيط، فلا أحد ينكر أن نظام عبد الفتاح السيسي حاول من اليوم الأول كسر المقاومة في غزة.

جدلاً أن غزة لم تنتصر وإسرائيل لم تهزم ، لكن لا أحد ينكر ندية المقاومة بأبسط سبلها في غزة، مقابل جيش من أفضل الجيوش بالعالم، وما لا يراه البعض أن ندية مقاومة أخلاقية في غزة بموازاة إسرائيل المتكئة على قوى العالم ما هو إلا نصر، فالندية في أحيان كثير لا تكون إلا نصرًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد