مستغلا الانقسام المجتمعي الحاد ورياح الإحباط التي عصفت بالشارع المصري، نجح حزب رجل الأعمال القبطي المتهرب من الضرائب نجيب ساويرس في تصدر نتائج الانتخابات البرلمانية بحصولة على 65 مقعدًا مما يستدعي منا وقفة لتحليل تلك الحالة العجيبة التي تعملق فيها حزب المصريين الأحرار وانتفش على الرغم من تواضع شعبيته بل وكره الشارع المصري له.

لا شك أن مؤسس الحزب والمسيطر الأول عليه نجيب ساويرس يعد من أكثر الشخصيات إثارة للجدل – وأحيانا للإشمئزاز – في المجتمع المصري في الآونة الأخيرة فتصريحاته العنصرية أوضح من أن تذكر وحقده على كل ما هو إسلامي بادٍ للقاصي والداني، فنجيب ساويرس يجيد التلون والمداهنة وفقًا لمصالحه وأهوائه فعندما تستمع لتصريحاته قبل 25 يناير مع تلك القناة الأمريكية وهو يتحاور مع مقدم البرنامج الإعلامي الشهير شارلي روز بكل حماسة قائلا: “أدعم مبارك لأنه يفعل دائمًا الصواب لمصر وله علاقات جيدة بإسرائيل ودعم الحرب الأمريكية على العراق” فتجزم أنك أمام أحد سدنة نظام مبارك الفاسد وأحد كبار داعميه.

وحينما اندلعت الثورة سخر ساويرس كل قنواته الفضائية وصحفه اليومية لإجهاض الثورة وحاول جاهدا إخمادها بكل ما أوتي من قوة وظهر متباكيا على مبارك مدافعا عنه بكل إخلاص لكن عندما بدا جليا أن رياح التغيير آتية لا محالة وأن الموجة أعلى من السفينة كان ساويرس أول من قفز منها ناجيا بملياراته وشركاته وفساده وفجأة أصبح ساويرس من الثوار! نعم عزيزي القارئ إنك لم تخطئ قراءة الكلمة نعم من الثوار فلقد كفكف دموعه التي ذرفها على مبارك وابتلع كلماته التي دافع بها عن فساد الطاغية وأعوانه وارتدى القناع الآخر فأخذ يتحدث بحماسة وإقدام في نفس الفضائيات عن ظلم تعرض له في عهد مبارك وعن اضطهاد عانى منه، وليكمل الصورة فلقد أعلن أنه أصبح داعمًا للشباب المصري الثوري النقي – الذين كان يراهم منذ أيام قلائل خونة مرتبطين بالخارج لتنفيذ أجندات خاصة – وفتح لبعضهم قنواته وأغدق عليهم الأموال.

ثم لم يكتف ساويرس بذلك وإنما أسس حزبًا اسماه “المصريين الأشرار” عفوًا أقصد “المصريين الأحرار” وبالطبع لم يكن يدعم ذلك الحزب إلا ثلاث فئات لا رابع لهم: الكنيسة والعلمانيين وبعض رجال الأعمال الفاسدين، ثم لاحت الانتخابات الرئاسية في الأفق وبطبيعة الحال تخلى ساويرس وحزبه عن ثوريتهم المزعومة ليدعموا الفريق أحمد شفيق بكل قوة ولكن أتت الرياح ثانيةً بما لا تشتهي سفن ساويرس وحزبه فهزم شفيق ووصل د. مرسي لسدة الرئاسة.

وبدأ ينكشف فساد ساويرس وطفت على السطح أكبر محاولة تهرب ضريبي في تاريخ مصر حاول فيها ساويرس التهرب من 14 مليار جنيه ضرائب مستحقة للدولة المصرية وهنا أدرك ساويرس أن المركب لا يتسع لد. مرسى وله في نفس الوقت، فكان لابد من استغلال أخطاء الإخوان الكارثية لإسقاط الرئيس وجماعته والإسلاميين كلهم، فأغدق ساويرس من خزائنه على حركة تمرد وذلك بحسب تصريحاته هو شخصيًّا لصحيفة النيويورك تايمز بتاريخ 10/7/2013 وسقط الإخوان وفقد التيار الإسلامي الكثير من شعبيته ولاحت الفرصة سانحة أمام حزب ساويرس فلم يتبق في الساحة السياسية من القوى الإسلامية سوى حزب النور وأدرك ساويرس أن ذلك الحزب هو مصدر الخطر الوحيد على مشروعه فسعى بكل شراسة لتشويه الحزب السلفي من خلال قنواته الفضائية وصحفه ومنابره الإعلامية واقترب موعد الانتخابات البرلمانية وأدرك ساويرس أنه رغم كل ما بذل ما زال حزبه منبوذًا من المجتمع المصري، وبالتالي من المستحيل أن يتحقق حلمه في السيطرة على البرلمان كخطوة هامة في سبيل السيطرة على مصر، حتى أن آخر استطلاع للرأي صدر عن مركز “بصيرة” ذي التوجه الليبرالي أكد على أن فقط 1% من المصريين سينتخبون حزب المصريين الأحرار ولقد أجمع العديد من الخبراء على أنه إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه فمن رابع المستحيلات أن يحقق حزب المصريين الأحرار أي نجاح ملحوظ في الانتخابات البرلمانية، وهنا بدأ ساويرس في تغيير قواعد اللعبة واتبع وسائل جديدة فعالة ومؤثرة كان أبرزها:

  • تخصيص مليار جنيه لدعم مرشحي حزب المصريين الأحرار في الانتخابات البرلمانية وبالطبع تجاوز مرشحو الحزب السقف الأعلى للإنفاق بأضعاف مضاعفة مستغلين ذلك المبلغ الضخم دون رقيب أو حسيب.
  • الاتفاق مع أكبر عدد ممكن من فلول الحزب الوطني وبعض رجال الأعمال وأصحاب العصبيات القبلية للترشح على قوائم حزب المصريين الأحرار، ومن المفارقات أن العديد من هؤلاء رفضوا أن تتضمن دعايتهم الانتخابية أي ذكر لحزب المصريين الأحرار خوفا من فقدانهم لأصوات مؤيديهم.
  • توزيع اللحوم وبعض الوجبات على الفقراء ومحدودي الدخل في العشوائيات لاستعطافهم وكسب أصواتهم في الانتخابات البرلمانية.
  • إشاعة حالة من الإحباط واليأس من التغيير بين صفوف الشباب خاصة شباب التيار الإسلامي من خلال منابر ساويرس الإعلامية لدفعهم للعزوف عن المشاركة في الانتخابات البرلمانية وبالطبع حينما تضعف المشاركة الشبابية في الانتخابات ويحجم أبناء التيار الإسلامي عن المشاركة يسهل التحكم في مسار ونتائج تلك الانتخابات ويضحى لأصوات الأقباط الموجهين كنسيًّا تأثيرًا فاعلًا وحاسمًا.
  • تغيير الخطاب الرسمي للحزب والبعد عن استخدام كلمات من شاكلة “العلمانية ” و” الليبرالية” لعدم إثارة حفيظة الشعب المصري المتدين بطبعه، ومحاولة إقناع الناخب بأن هدف حزب المصريين الأحرار الأول والأخير هو الإصلاح الاقتصادي وتنمية البنية التحتية بعيدا عن أي أهداف أيديولوجية، حتى وإن كان ذلك دون وجود برنامج واقعي لتحقيق وعوده الاقتصادية الحالمة.
  • تعمد إسقاط رموز التيار السلفي من أعين الناس واحدًا تلو الآخر عبر سيل لا ينقطع من الفرى والإشاعات والأخبار الملفقة، فإذا انفض الشباب الملتزم من حول هؤلاء الرموز أضحى من اليسير تحجيم المشروع الإسلامي بأسره – والمتمثل حاليا في حزب النور – لفترة لا بأس بها.
  • الشحن الطائفي بكل وسيلة ممكنة والتأكيد على الدعم الكنسي لمرشحي حزب ساويرس والعمل على ترسيخ فكرة المظلومية في وجدان أقباط مصر وحشدهم لدعم حزبه بقوة لتحقيق نصر لدينهم على حد زعمه ولقد بدا ذلك جليا للأسف الشديد في التصريحات الطائفية للأنبا بولا وكذلك في ردة فعل أقباط دائرة منفلوط الذين هتفوا في مسيرة جماعية لهم عقب فوز مرحشهم في الانتخابات البرلمانية قائلين: “بالروح بالدم نفديك يا صليب”، وكم يقطر القلم دمعًا على ما يفعله ساويرس وحزبه بأقباط مصر من لعب على وتر الفتنة الطائفية مما يهدد بشدة السلم المجتمعي.

 

متبعا كل ما سلف وفي ظل تغافل رسمي عما يفعل ساويرس وحزبه من إفساد للحياة السياسية، وتضييق على حزب النور وأنصاره، نجح ساويرس في الحصول على 65 مقعد كما ذكرنا آنفا وأضحى قوة لا يستهان بها في مجلس النواب على الرغم من أن ما حصل عليه لا يتجاوز11% من مقاعد البرلمان وبالتالي فمازلت الأغلبية البرلمانية بعيدة المنال عن ساويرس وحزبه، إلا أن التشريعات التي ستصدر عن ذلك البرلمان ما تزال تثير شكوك العديد من المصريين، فبرلمان يترشح فيه أمثال توفيق عكاشة لرئاسته وتسعى آمنة نصير لرئاسة لجنته الدينية ويحظى بعضويته حساسين ومرتضى منصور ويصبح حزب ساويرس هو صاحب الكتلة البرلمانية الأكبر بين الأحزاب، ذلك البرلمان يضع مصر أمام مستقبل تشريعي قاتم وأيضًا يضع الشرفاء القلائل من أعضائه أمام تحدٍّ صعب في مقابل الغالبية الفاسدة.. ترى ماذا يحمل هؤلاء لمصر في الأيام المقبلة، وهل ينجح الشرفاء القلائل بالنجاة بالسفينة أم تتحطم سفينة الوطن على يد الأغلبية الفاسدة؟

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات