مما لا شك فيه، أن للبرلمانات (مجالس النواب) دورًا كبيرًا في تحقيق التوازن والاستقرار للدول والأنظمة الحاكمة كلٌ على السواء؛ إذ بتدشينها تبدأ عملية السريان الطبيعي لإصدار التشريعات والقوانين أو إلغائها، وأيضًا التصديق على الاتفاقات التي تبرمها السلطة التنفيذية، وغيرها من المهام والمسئوليات التي تعود بالنفع على المواطن وتُرسخ للاستقرار في الدولة، ورغم ذلك، فإنها ربما تُشكل معضلة عصية في مواجهة السلطة التنفيذية، بخاصة إن جاءت مُعبئة بأغلبية تتعارض مع توجهاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

 

وبناء على ذلك، دائمًا ما يسعى ممثلو السلطة التنفيذية لا سيما في الأنظمة الديكتاتورية إلى وجود برلمان لا يتعارض مع توجهاتهم أو يعيق سياساتهم التنفيذية، وذلك عبر إجراءات شكلية غير شفافة، ذات مشاركة ضيقة، لا تُحترم نتائجها، ودائمًا محاطة بالشكوك في شرعيتها، في حين يجيء البرلمان في الدول الديمقراطية عبر إجراءات متفق عليها، تمتاز بالشفافية المطلقة، والمشاركة المتسعة، ويحترم نتائجها الجميع.

 

وها هي الدولة المصرية قد تشهد إجراء انتخابات برلمانية في الربع الأول من عام 2015م كآخر استحقاق لخارطة 3 يوليو 2013م؛ فقد قال المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية: “إن «السيسي» أكد خلال لقائه مع وفد من رجال الأعمال الأمريكيين، أن الاستحقاق الانتخابي، سيتم إنجازه خلال الربع الأول من عام 2015م”، وكانت جريدة المصري اليوم قد نشرت في 3 نوفمبر 2014م ما يُفيد بأن البرلمان لن يكون قبل شهر مايو 2015م، علمًا بأنه كان من المفترض أن تُجرى انتخابات البرلمان العام الحالي 2014م، الذي أوشك على الانتهاء فعليًّا!

 

والواضح أن النظام الحالي يتَمَلْمَلَ في إجراء الانتخابات البرلمانية، كما تَمَلْمَلَ سابقًا حزب الحرية والعدالة (المنحل في أغسطس 2014م)، في إصدار قانون الانتخابات البرلمانية، أو بالأحرى لم يضع ترتيبًا متقدمًا لأهمية وجود المؤسسة التشريعية (مجلس الشعب) على أجندة أولوياته، وذلك ربما لاستحواذه على الأغلبية في مجلس الشورى الذي كان يمارس حينها عملاً تشريعيًّا، وأيضًا لتداركه احتمالية عدم حصوله على الأكثرية كما في برلمان ما بعد ثورة 25 يناير (نوفمبر 2011م)، بخاصة بعد ما أثارته استطلاعات رأي حينها بتراجع شعبية الحزب في الشارع المصري.

 

وبعيدًا عن مبررات التأخير في تدشين المؤسسة التشريعية سواء اتفقنا أم اختلفنا معها، فإن الواقع، هو عدم إجراء الانتخابات البرلمانية حتى الآن. ويبقى السؤال، لماذا تتلكَّأ السلطة التنفيذية الحالية نحو تنفيذ آخر استحقاقات خارطة الطريق؟؛ ويبدو أن الإجابة على ذلك السؤال ربما تتلخص فيما يمثله ذلك البرلمان المحتمل من هاجس أن يجيء بأغلبية ليست على الهوى، مما يمثل معضلة تضيق فيها خيارات التعاطي معه.

 

فهناك اندماجًا حَصَل في الآونة الأخيرة بين قوتين سياسيتين محسوبتين على ثورة 25 يناير؛ إذ اندمج حزب “التيار المصري” في “مصر القوية”، ورغم ضعف قواعد الحزبين المندمجين شعبيًّا، فإن حدوث الاندماج في حد ذاته يُشكل معضلة أولى بالنسبة للسلطة الآنية، وذلك لأمور عدة:

 

أولها: احتمالية اتساع دائرة ذلك الاندماج بأن يضم قوى سياسية أخرى إما بالاندماج أو التحالف، مثل حزب «الوسط»، وأحزاب عدة على ذات المرجعية، ناهيك عن مباركة الاندماج من بعض التيارات الثورية (حركة 6 أبريل)، ثانيها: وهو بمثابة خطوة ثانية تتبع الأولى، بأن تُعلن هذه الكتلة المندمجة الانخراط في الانتخابات البرلمانية المقبلة، مع شريطة النزاهة الانتخابية بما تتضمنه من مراقبة انتخابية من الداخل والخارج، وغيرها من متطلبات النزاهة المتعارف عليها، وثالثها: احتمالية أن ينخرط اتباع جماعة الإخوان المسلمين في ثنايا هذه التحالفات ككتلة داعمة بقواعدها الشعبية، وذلك دون تصدرها المشهد.

 

ومع فرضية إجراء انتخابات ديمقراطية نزيهة فإن هناك احتمالين أمام النظام الحالي، إما أن يحظى ذلك التحالف بالأغلبية في البرلمان، وبالتالي فإنه حسب الدستور يستوجب على الرئيس تعيين رئيس الحكومة من ضمن كتلة الأغلبية وهذه ثاني المعضلات، أو يحظى ذلك التحالف بنسبة كبيرة من المقاعد تصل إلى حد الثلث المعطل، وهنا يمكن لذلك الثلث تعطيل كافة القوانين والوقوف بمثابة حجر عثرة في وجه السلطة الحاكمة لتمرير قوانينها والاعتراض على مشاريع قوانين، وهذه ثالث المعضلات.

 

أما في حال فرضية أن السلطة الحاكمة لم توفر الأجواء اللازمة لنزاهة الانتخابات، وهناك ملامح مقلقة في ذلك الأمر، أهمها انسحاب مركز كارتر لمراقبة الانتخابات، والذي اتهم الحكومة المصرية بأنها لن تجري انتخابات نزيهة، تجيء المعضلة الرابعة باحتمالية تكرار سيناريو انتخابات 2010م وتبعاته المؤلمة على نظام الرئيس الأسبق «مبارك».

 

فيما تتمثل المعضلة الخامسة في عدم حسم التحالفات الموالية للسلطة الحالية الخلافات التي بينها، فقد أخفق زعماء هذه التحالفات في تشكيل قائمة حزبية موحّدة تخوض الانتخابات، أضف إلى ذلك عودة رجالات الحزب الوطني (تم حله رسميًّا في 16 إبريل 2011م) إلى الساحة السياسية بقوة، ومع أنهم الأكثر احتمالاً للاستحواذ على البرلمان بحكم خبراتهم المتراكمة، فإن ذلك قد يشكل المعضلة السادسة في مواجهة السلطة؛ لأنه بعد تفكيك الحزب بنيويًّا إبان ثورة يناير تعددت ولاءاته ما بين السلطة الحالية وآخرين، علاوة على أنه ربما يؤدي استحواذه على البرلمان إلى زيادة الاحتقان الشعبي.

 

كما أنه قد يزيد كذلك من اتساع الفجوة بين ممثلي السلطة الحالية وبعض الأحزاب المدنية التي ساندت في إخراج مشهد 3 يوليو 2013م، علمًا بأن هذه الأحزاب – حسب ظني- ربما هي الوحيدة القادرة على منح رأس السلطة الظهير السياسي، ورغم ذلك، يعُاب عليها التشرذم والتفتت. وأخيرًا يبدو مما سبق أنه ليس من حلول أمام السلطة الحاكمة إلا التلكؤ في إجراء الانتخابات البرلمانية على النحو الذي نراه الآن، وذلك حتى يتم تفتيت أية محاولات لتحالفات مضادة، وإتاحة الفرصة لتأمين قوى طيعة ومحدودة التطلعات يمكن السيطرة عليها، أو اللجوء إلى التدخل في العملية الانتخابية بالتلاعب، لتأمين خلق هذه القوى الطيعة، رغم ما لذلك من تبعات خطيرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجلس الشعب, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد