منذ 12 قرنًا والملكية العلوية تتربع على العرش في المغرب، الأكيد أن هذه الملكية تطورت وتماهت مع المناخات المحيطة بها واستطاعت أن تتنازل عن بعض صلاحياتها كلما تعرضت للضغط الشعبي أو الحزبي، مما جعلها من أقدم العروش الملكية في التاريخ، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة، هل ستتنازل يومًا هذه الملكية عن النظام الدستوري لصالح النظام البرلماني؟!

من الواضح جدًا أن أغلب فئات الشعب ترى في الملكية عامل استقرار، هذه الرؤيا تغذيها نشرات الأخبار المليئة بدماء الأطفال والضحايا الأبرياء في مناطق التوتر، لكن من حقنا أن نطرح سؤالًا يحترم عقولنا، هل لأننا نحظى بالأمن والأمان سنقدم شيكًا على بياض؟ طبعًا لا! نريد لهذا البلد أن يتقدم وتكون محاسبة أكثر فنحن في زمن تدافع الأمم، إما أن نسير بجهد وشفافية ومحاسبة أو تدهسنا القوافل!

ليس صحيحًا أن التغيير دائمًا يحتاج إلى إراقة الدماء، فبإمكان المغرب أن يخطو خطوات هامة نحو الديمقراطية دون مجازفة، فالملكية البرلمانية هي أحسن نظام يمكن أن تصل إليه دولة ما في إطار الحفاظ على الملكية كعامل استقرار وسيادة وفي نفس الوقت نظام برلماني يحكم ويتحمل مسؤولية حكمه، ويُحاسب على إخفاقاته دون التستر بالملكية.

إسبانيا وبريطانيا يتمتعون بنفس النظام السياسي وهما نموذجان لمن في ريبهم يترددون، وهما من أقوى الاقتصادات في العالم، فلماذا لا نقتفي أثرهم؟ فليس من المعقول أن تعمل بطريقة على مدى عقود وتجد النتائج نفسها وتكمل بالطريقة نفسها… قسمة ضيزى!

لكن مما لا شك فيه أن مطالب مثل هذه لا يمكن أن تتحقق دون مطالبة شعبية تؤطرها الأحزاب، أما علاقة الأحزاب بهذا المطلب فلم أر إلا حزبين طالبا بهذا النظام، لكن كما نقول دائمًا ما أسهل أن تطالب بذلك وأنت في صف المعارضة، نقصد هنا حزب العدالة والتنمية وحزب فيدرالية اليسار حديث العهد.

قبل سنة 2011 كان حزب المصباح يرفع مطالب براقة تسر الناظرين من جملتها الملكية البرلمانية، ها هو الحزب يشرف على ولايته الثانية ولم يأت على ذكر هذا المطلب الذي من شأنه رفع البلاد إلى مصاف الدول الديمقراطية، ها هو قد تماهى مع الأحزاب الأخرى كأنهم خُشب مسندة، لكن دعونا لا نتحدث عن أعذارهم لأنها لا تحترم العقول، حزب يرفع شعارات للتجارة والوصول للسلطة ولما طولِب بالوعود التي وعَد بها لات حين مناص!

حزب آخر يطالب بهذا النظام لكنه حزب مغمور لكن لديه كاريزما وشعارات تُسيل اللعاب، لكنه لم يُختبر حتى الآن، نتحدث هنا عن فيدرالية اليسار بقيادة الدكتورة نبيلة منيب، شخصيًا أتمنى ألا يتخلى عن مطالبه وهذه كلمات أمينته العامة قبل مدة على إحدى القنوات «نحن نطالب بملكية برلمانية تسود ولا تحكم لكي تكون محاسبة، نحن لن نشارك في حكومة تكون فيها الإنجازات للملك والإخفاقات للحكومة»، كلام متوازن وراقٍ جدًا، لكن يعاب على أمينته العامة سقطاتها المتكررة التي تغذي الأيديولوجيات فقط، مثلًا قبل عامين زارت مصر وصرحت تصريحًا غير مسؤول، حين اتهمت الإخوان المسلمين أن لهم علاقة بتنظيم القاعدة، فمهما يكن تبقَ الجماعة تحظى بتعاطف الشعوب واللبيب في السياسة من يحتوي الجميع تحت مظلته الديمقراطية وليس ممارسة سياسة تشتيت الغنم، نتمنى أن تصلح أخطاءها وتعلم أن الاصطفاف الأيديولوجي الذي ينفر الشعب هو شذوذ وأن تعلم أن هذا الشعب حساس في كل ما يمس الدين من قريب أو بعيد، كما فعلت بعد أن فاز العدالة في الانتخابات الأخيرة حين اتهمت من صوت له أنه من جماعة «حفظ وعرض» وهذا ليس تصريحًا لبق وينفر الفئات المحافظة.

من هذا كله لا غاية لنا إلا وطنا في مقدمة السباق، فقواعد اللعبة تتغير مع الزمن، وإذا لم نغير طريقتنا سنحصل على نفس النتائج، نريد وطنا يحاسب فيه الفاسد بيد من حديد، ويكون المسؤول السياسي مجرد موظف دون الاستفادة من الريع والتعويضات الخيالية، تخيلوا معي رحمكم الله النائب في الدانمارك لا توفر له الدولة سيارة ويركب المواصلات العامة وعليه ان يصل في الوقت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد