البحث في العلاقة المتشابكة بين إيران ودول الجوار العربي حديث تمتد تشعباته إلى ما قبل الإسلام، ومنذ أن حقق العرب أول انتصار لهم على عدوهم  القوي «الفرس» في معركة ذي قار التي كانت إيذانًا بأن الصلح بين الطرفين أمر صعب، وقد جسده العرب في أشعارهم وتراثهم.

وبعدما اختار الله نبيه محمدًا (ص) من قريش – باعتبارها أكبر قبيلة عربية – لم يهضم الفرس هذا الفضل على الأميين (العرب بحسب وصف القرآن) وظل هذا الشعور السلبي يراودهم ولم يتقبلوه لاعتبارات أنهم القوة العظمى في المنطقة،  وقد بدأت الإمبراطورية الفارسية في التراجع بعد توسع الدعوة من شبه جزيرة العرب إلى أطرافها وتلقى الفرس هزيمة ماحقة في معركة القادسية التي كان من نتائجها أن خضعت بلاد فارس والسواد إلى حكم  المسلمين الفاتحين، وهنا سجل بعض علماء البلد من الفرس أثرهم في الدعوة إلى هذا الدين الجديد خاصة في التفسير واللغة.

واستمر الحال مع الخلافة الأموية ولكن الفرس وجدوا ضالتهم في الدولة العباسية التي تغلغلوا في دواليبها حتى كانوا سببًا في سقوطها في الوقت الذي بدأت فيه معالم دولة صفوية في الظهور والتوسع، الأمر الذي أزعج الخلافة الجديدة للمسلمين العثمانيين الذين حاولوا القضاء على الصفويين في مهدهم إلى أن جاءت الحرب العالمية الثانية وقسمت تركة الرجل المريض كما أطلق على بقايا الدولة العثمانية وظهرت موجة ومفهوم جديد للاستعمار الأوروبي، وقسمت مناطق النفوذ بموجب اتفاق سايكس-بيكو.

وفي ثمانينيات القرن الماضي خاض العراق حربًا سميت بالقادسية الثانية، دامت ثماني سنوات انتهت بهزيمة إيران وخرج العراق كقوة عربية يحسب لها حساباتها.

وبعد الغزو الأمريكي للعراق 2003  قدم العراق مرة أخرى على طبق من ذهب لإيران فيما سمي بالتحالف تحت الطاولة بين إيران وأمريكا، وتمدد التوسع الإيراني الذي استغل الأقليات الشيعية في بعض الدول العربية كمطية للتوسع فسقط لبنان بمطية حزب الله، والعراق بمطية حزب الدعوة والصدريين واستغلت إيران النظام العلوي في دمشق والمراقد المزعومة لتجد لنفسها موطئ قدم.

وفي اليمن كادت إيران أن تثبت قدمها في خاصرة شبه جزيرة العرب لولا عزم وحزم القيادة السعودية التي تولت الحكم وقتئذ والتي استشعرت الخطر الداهم. وهنا يقول شاعر محدث أعاد لهم سلمان ذي قار ماحقًا.

وهكذا فإن التوسع السريع «للجمهورية الإسلامية» واستعجال المشروع الإمبراطوري القديم جاء سريعًا وخالف سنن التاريخ في ظهور وتوسع الإمبراطوريات، وبالتالي فإن فتح جبهات متعددة في وقت واحد خطأ استراتيجي قاتل خاصة مع الحالة الإيرانية التي يعرف فيها المستوى المعيشي للفرد مستويات متدنية، كما أن الاقتصاد يعني اختلالات بنيوية جراء عواقب الحصار المفروضة على البلد منذ عقود. فضلًا عن ضعف التجانس السكاني فإقليم الأحواز العربي يعيش حالة ثورة جراء حالة الانسداد والقلق الذي تفرضه السلطات الإيرانية على الأقليات.

إن العلاقة  بين العرب وإيران تاريخيًا تصطدم بانعدام الثقة بين الطرفين مع التجارب المريرة، فمبدأ تصدير الثورة يقصد به العرب والحلم الفارسي هو الوصول إلى مكة والمدينة، وأما الشعارات الرنانة التي ترفعها إيران والسائرون في فلكها إنما خدعة عرتها شواهد القتل في سوريا واليمن ولا ينطلي على أحد زيف توظيف الدين في تحقيق المآرب التي لا تمت للدين ولا لأهل المنطقة بشيء.

كما أن هذا التوجه تناغم مع المشاريع الغربية في المنطقة التي تعيش أخطر مرحلة في تاريخها من خلال تفتيت المفتت وتجزئة المجزأ بمشروع الشرق الأوسط الجديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد