يشهد العالم اليوم تحولات جغرافية سياسية كبيرة ويقبع المواطن العربي لمشاهدة التلفاز أو الإنترنت أو قراءة جريدة ما، فيظَل حائرًا؛ إذ لكلٍ رأي خاص في مسألة ما. وتتواصل سياسة التلاعب بالعقول والإلهاء كشعار ينم عن توجيه العقل العربي توجيهًا وفق اللعبة الساسية اللاعقلانية والمصالح الشخصية، المادية والضيقة؛ مما يؤثر سلبًا لا محالة في هوية المواطن العربي المسلم!

ولسائل أن يسأل ما الهوية؟ فنجيبه أن الهوية من الثقافة والثقافة دين ولسان ووجدان، إذًا الهوية والثقافة وجهان لعملة واحدة فلا ثقافة بلا هوية ولا هوية بلا ثقافة. ونشير إلى أن الاعتزاز بالهوية لا يعني أبدا إنكار الغير، أو إنكار الاختلاف معه، بل إن قبول الاختلاف من صميم التعايش الإنساني والوفاء بالعقد الاجتماعي على حد قول جون جاك روسو والعقد الاجتماعي هو الدستور بالمعنى الحديث للعبارة.

ربما يتراءى للقارئ أن موضوع الهوية لا يحتل مكانة في الوسط العربي، فنقول أن الهوية هي دليل الوجود، كما أن الدين دليل الوجود بما أنه قد ثبت آنفًا أن الدين من الثقافة والثقافة من الهوية (هذه السلسلة الذهبية)، نعم الدين محاولة لتقييم الوجود لتفسيره وتحديد معانيه ودلالاته. وفي هذا السياق يقرر الدين  الإسلامي حرية التدين كاختيار شخصي للهوية فهو يعلنها صريحة لا مواربة فيها ولا التواء أن (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ). يقول الإمام محمد الغزالي في كتابه خلق المسلم: الإكراه على الفضيلة لا يصنع الإنسان الفاضل، كما أن الإكراه على الإيمان لا يصنع الإنسان المؤمن، فالحرية النفسية والعقلية أساس المسؤولية، والإسلام يقدر هذه الحقيقة ويحترمها وهو يبني صرح الأخلاق.

إن المتمعن في آيات القرآن الكريم يخلص إلى القول أن دلائل الوحدانية وعظمة الخالق وتنزيهه عن الشوائب من شأنه أن يسوق ذوي العقول إلى قبول هذا الدين الواضحِ العقيدة، المستقيم الشريعةِ، باختيارهم دون جبر ولا إكراه. آية (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) هي دليل واضح على إبطال الإكراه على الدِّين بسائر أنواعه؛ لأنّ أمر الإيمان يجري على الاستدلال، والتمكين من النظر، وبالاختيار.

هنا تتعالى الأصوات منادية بدحض هذه الفكرة قائلة: (إن الأمم لا تنهض بغير الحداثيين) فنقول ردًا على هذه المقولة، الأمم لا تنهض بالحداثة فقط، وإنما تنهض بالمزاوجة بين الأصالة والحداثة، تشبثًا بالهوية، وليس تشددًا وتعصبًا إليها من خلال الانفتاح لا الانحلال والاقتران لا الذوبان، فنحن ضد اقتداء المغلوب بالغالب.

لا ريب أن المحافظين ناقصون، ناقصون للحداثة، ولمحاولة الارتقاء إلى درجة الكمال وجب الجمع بين المحافظة والحداثة أي البناء الحضاري وفقًا لمكتسبات الحضارتين العربية والغربية، فالتعصب للحضارة العربية يقابله تعصب للحضارة الغربية وهذا ما خلق نوعًا من اختلال التوازن، ونحن الآن مذبذبون، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء.

 ما الحل؟ الحل بين أيدينا معنا دائمًا وأبدًا متمثلًا في الوحيين الكتاب والسنة، وما سوى الوحيين كلام بشر، كل إنسان يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب القبة الخضراء النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول الدكتور محمد راتب النابلسي: نحن في اعتقادنا الراسخ لا نعلم أحدًا من البشر معصومًا، إلا النبي صلى الله عليه وسلم، هو وحده معصوم بمفرده من أن يخطئ في أقواله وأفعاله وصفاته وإقراره، أقواله سنة، وأفعاله سنة، وسكوته سنة – إقرار – وصفاته سنة، وما سواه يؤخذ منه ويرد عليه، فكل إنسان مهما كان مرتبته علية يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب القبة الخضراء فالقرآن الكريم هو وحي السماء، وفهم النبي لهذا القرآن هو الحديث، أفعال النبي تؤكد فهمه للقرآن، إقراره يؤكد ذلك، وصفاته تؤكد ذلك، لذلك قالوا: الكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق والنبي قرآن يمشي.

وخلاصة صفوة القول إن تحديد الموقع والتموقع في صف الهوية العربية الإسلامية مع الاستلهام من المنتج العالمي الحضاري يدفع إلى التقدم والازدهار. نحن نريد أن نفكر لأنفسنا من أجل مستقبلنا بعقولنا، لا بعقول غيرنا.. لا نريد من أحد أن يفكر لنا، سواء كان من الأموات الذين بيننا وبينهم قرون وقرون، أم من الأحياء الذين بيننا وبينهم بحار ووهاد.

وختامًا أسوق بيتًا شهيرًا لصاحب ديوان أغاني الحياة أبي القاسم الشابي:

إذا الشعب يومًا أراد الحياة … فلا بد أن يستجيب القدر.

ويقول الشيخ عبد القادر الجيلاني الفقيه الصوفي: جميع الحوادث خيرها وشرها كائنة بقدر الله، ولكن المؤمن مأمور أن يدفع ما قدر من الشر بما قدر من الخير؛ فيزيل المعصية بالطاعة، والمرض بالدواء، والجهل بالمعرفة، والفقر بالعمل. فنازعوا أقدار الحق بالحق للحق، فالرجل هو المنازع للقدر لا الموافق له، ألفاظ مختلفة والمعنى واحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب خلق المسلم للغزالي
القدس أرض القداسة للنابلسي
التحرير و التنوير لإبن عاشور
عرض التعليقات