تعد الحركة الكشفية والإرشادية من المؤسسات التربوية والاجتماعية، التي ساهمت خلال مراحل متعددة في صياغة الأفكار الناجمة عن «الفراغ القيمي» لدى الشباب، وجعلت من المبادئ والطريقة الكشفية أنموذجًا للتعامل مع المتغيرات في الساحة الدولية والإقليمية. وأصبح لديهم المقدرة على وضع الأساليب اللازمة لترجمة الأهداف التربوية للحركة الكشفية، من خلال البرامج الهادفة إلى ترسيخ القيم المشتركة بين الأمم والشعوب.

ولذلك أصبحت منهجية الكشفية تعتمد على المواءمة بين السياسات العالمية والسياسات الإقليمية والوطنية، من أجل مزيد من التقارب المبدئي مع تلك السياسات، واتساقها مع الأهداف التربوية، واتخاذ الوسائل المناسبة لمد جسور التفاهم بين مختلف الشعوب، عبر القيادات والهيئات الكشفية.

ومن تلك البرامج، برنامج «رُسل السلام» الذي يهدف إلى وضع الأسس اللازمة للتشبيك بين المكونات الكشفية في إطار مجتمعاتها المحلية، وتبني القضايا المجتمعية التي تسعى من خلالها إلى إيجاد قنوات للتفاهم حول تحديات العولمة المحلية، بل تبحث عن بناء «الموقف الصحيح»، الإنساني الأخلاقي في مواجهة تلك القضايا !

إن الحركة الكشفية والإرشادية تشهد تحولًا مهمًّا في مسار البرامج والأنشطة التي تقدمها، وتقوم على أساس إيجاد الروابط الفعلية بين الوحدة الكشفية «الفرقة الكشفية» وآليات التعامل مع الخصائص النمائية لكل مرحلة من مراحل الكشفية، فعلى الرغم من الجهود العالمية والدولية الرامية إلى تحقيق الرؤية العالمية للحركة الكشفية وفقًا لمسارات متعددة، فإن متطلبات ترجمة تلك الرؤية إلى أهداف وبرامج، قد يكون للعوامل المجتمعية والظروف السياسية التي تشهدها الهيئات الوطنية دورًا في إيضاح التحديات التي تواجه الأفراد والقيادات على المستويات المحلية «المفوضيات– والوحدات الكشفية– المراكز الكشفية»، وانعكاساتها على المستويات الوطنية، لتعبر عن واقع الحركة الكشفية والإرشادية في البلدان التي تشهد حالة تغير ديناميكي في أطرها السياسية، والاجتماعية، والثقافية.

ولقراءة ذلك الواقع فإنني أود الإشارة إلى عدد من الآليات الإجرائية لتعزيز مشاركة الشباب في الحياة السياسية والعامة، لعلها تقدم صورة عن الإطار العام للتوجهات المطلوبة لإيضاح دور المنظمات غير الحكومية في سياقات جوهرية مساندة لتعزيز الهوية الوطنية، إذ يتيح لها إطارًا سياسيًّا عامًا شاملًا لأجل التشاور والتنسيق.

وبذلك نجد أن اهتمام الدول بالشباب يجب أن ينعكس في سياساتها وبرامجها، بحيث تتضمن هذه السياسات والبرامج آراء الشباب وأفكارهم، استنادًا إلى القيم والمبادئ المعنية لتطوير قدرات الشباب وتنميتهم مهاراتهم وفقًا لفلسفة «مجتمعية» واضحة ومحددة التي قد تنبثق عنها «الفلسفة التربوية»، والتي قد ينجم عنها «الفجوة المعرفية» أو «الثغرات» حول سياسات الحركة الكشفية والإرشادية، على المستويات المحلية، والدولية، والإقليمية، لا سيما عندما تتقاطع أهدافها وبرامجها ومناهجها مع ما أشار إليه مؤسس الحركة الكشفية «اللورد بادن باول»: «علينا أن نكون حذرين عندما نغرس الروح الوطنية في نفوس أبنائنا، إذ يجب أن تتعدى تلك الوطنية مجرد العاطفة المحدودة، التي عادة ما تقف عند حدود الدولة، بما قد يوصي بالعداوة والبغضاء عند التعامل مع الآخرين، فوطنيتنا أسمى وأنبل، بحيث تعترف بعدالة مطالب الآخرين، وتؤدي إلى توثيق الصداقة بين وطننا وأوطان الآخرين في أنحاء العالم».

وقد خرج منها نتاجٌ ثقافي وفكري وديني، ومنها كيفية استخدام قضية اللاجئين على نحو متزايد في السياسات المحلية، وفي إطار هذه الصورة الذهنية حول مدى إدراك الشباب لدورهم في ترجمة مضامين «الفلسفة التربوية» وفقًا لما يتوخاه المجتمع منهم، بحيث يتضمن قطاعات الشباب المختلفة، ومن خلال الآليات الوطنية الداعمة لهم، مع إتاحة قنوات تعنى بمشاركتهم في صياغة هذه السياسات «مبدأ المشاركة»، وذلك على النحو الآتي:

– آليات التفاعل الاجتماعي حول البرامج الموجهة للشباب تتطلب مزيدًا من الفهم للخصائص المشتركة، ذات الصلة باتجاهات الشباب نحو التغير والتطوير المستمر للمعارف الذاتية، والمهارات المكتسبة، ودورها في تحديد البرامج الملائمة لتلك الاتجاهات.

– إيضاح برامج تقييم الأثر للخطط السابقة، ودورها في تحديد الفئات العمرية المناسبة، ومدى إمكانية مساهمتها في وضع التصورات المبدئية للخطط اللاحقة، التي قد تعمل على تحديد الفئة العمرية للشباب بعد استقراء مختلف الدراسات الدولية.

– الاستفادة من الخبرات المجتمعية، والإمكانات المحلية في توفير الدعم الفني اللازم لتبني أنشطة هادفة إلى تحديد الاحتياجات المحلية، ودور الشباب في التعامل مع تلك الاحتياجات حسب أولوياتها.

– توسيع الخيارات والبدائل أمام الفتية والشباب، أثناء تقييم البدائل المتعلقة بأساليب اتخاذ القرار، وعلاقتها بالسياسات الاجتماعية المعنية بمواجهة التحديات التي تواجه الشباب في المستويات المحلية، ومنها الاستراتيجيات «الإقليمية والوطنية» المتناقضة ذات الصلة بقطاع الشباب والطفولة.

– وضع أهداف وجدانية، تعزز من السلوكيات والممارسات الرامية إلى إيجاد وعي مجتمعي بدور الشباب في تبني مبادرات نوعية تتعلق بالتنظيم الاجتماعي في قضايا ذات صلة بالاتصالات المحلية، من خلال الهيئات والمؤسسات التطوعية، ودراسة أي تطورات جديدة أو أفكار مستحدثة يمكن أن تؤدي إلى مبادرات جديدة نابعة من عملية إحداث التغير في السلوك.

– وضع الضوابط والمعايير الاجتماعية غير الرسمية، لمشاركة المجتمع المحلي في تحديد نوعية الشباب واحتياجاتهم وفق الظروف المحيطة بعد مقارنة ذلك بالظروف الدولية.

– دعم دور المؤسسات الوسيطة في صياغة سياسة الشباب من خلال إدراك أن التحولات الهيكلية بعيدة المدى «سكانية، وتعليمية، واقتصادية» لا تنتج «الشباب» فحسب، بل تعيد تشكيل مجمل العلاقات الاجتماعية، وفي مقدمتها الأسرة.

– زيادة الحوافز، وفرص التمويل للمنظمات غير الحكومية ولمنظمات ومؤسسات الشباب لتعزز من أنشطة التعلم غير الرسمية، أو غير المدرسية.

– الوقوف على التطورات الجديدة في سياسات الدول المتقدمة تجاه الشباب، والتي بلورتها أهداف الألفية الإنمائية للأمم المتحدة.

– ضرورة تبني سياسات قطاعية للشباب في برامج الأحزاب السياسية، ومؤسسات المجتمع المدني، التي ينبغي عليها وضع الموجهات «النظرية والإجرائية» ذات الصلة بالترويج لسياسات الشباب.

– وضع سياسات محلية مبنية على سياسات وطنية أو قومية، تضع في اعتبارها تأثير العولمة على البيئة الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، وأثرها في أي استراتيجية وطنية معنية بالشباب والطفولة.

– توفير المناخ الملائم لتعزيز الثقة المتبادلة بين القطاعات الرسمية وغير الرسمية المعنية بالشباب، وجعلها ضمن الخطط السنوية لتعزيز الشفافية، وفي إطار التوجهات الوطنية والإقليمية في مجال «الحكم الرشيد»، بوصفها ركنًا أساسيًّا من أركان الديمقراطية الذي يتطلب وجودها جهازًا فنيًّا أو إداريًّا ينفذ بكفاءة وفاعلية سياسات الشباب وفق أسس مهنية على تعزيز الشفافية في الأداء، وتشجيع مجتمع مدني قوي يشارك في وضع سياسات الشباب وتنفيذها.

– الإسهام في بناء ثقافة السلام والتعامل مع تكنولوجيا المعلومات في ظل معطيات محلية تأخذ بعين الاعتبار الظروف والأوضاع الإقليمية والدولية.

– وضع قاعدة بيانات ومعلومات تتضمن الهيئات المانحة والمنظمات غير الحكومية المعنية بالشباب، مع إنشاء شبكات معنية بجمع البيانات ونشر الإحصائيات، واعتبار ذلك ضمن المؤشرات الإحصائية عند صياغة السياسات الوطنية للطفولة والشباب.

– الاستفادة من قدرات صندوق الأمم المتحدة للشباب، وما يقدمه من دعم تقني ومالي للدراسات وعمليات التبادل الفني المتصلة بقضايا الشباب.

– الاستعانة بآراء ذوي الخبرة والتجربة من المفكرين، وأساتذة الجامعات، ورجال الصحافة والإعلام، والنشطاء في المنظمات غير الحكومية، ومؤسسات المجتمع المدني وغيرهم.

– تفعيل دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية والسياسية في إيجاد الفرص المناسبة لتمكين الشباب، بما يتلاءم مع متغيرات العصر.

– إيجاد «نماذج مجتمعية» للتعامل مع التحديات العالمية والإقليمية، والقضايا الدولية المُلحة التي يُمكن أن يكون للهيئات الدولية والإقليمية دور في وضع التصورات التي تتبنى قضايا المجتمعات المختلفة، ومنها كيفية استخدام قضية اللاجئين على نحو متزايد في السياسات المحلية، والتي قد تُشكل تحديًا على مختلف الصعد، وتوظف «المنهج الخفي» كتحصيل «ورقة» ضغط في المفاوضات؛ وقد تكون «المساعدات الإنسانية» إطارًا رمزيًّا وإعلاميًّا لهذه التوجهات!

– تخصيص مساحة كافية في وسائل الإعلام الرسمية والخاصة في برامجها لقضايا الشباب، والسياسات الحكومية المتعلقة بهم، وتقديم النماذج الشبابية الناجحة.

– تخصيص دعم حكومي ضمن موازنة الدولة للمنظمات غير الحكومية المعنية بالطفولة والشباب مع المراجعة السنوية للأداء الإداري والمالي والمحاسبي.

للتأمل

(الفئات المتعلّمة) هي أكثر من غُسل دماغه، والأكثر جهلًا، والأكثر غباءً بين فئات المجتمع، ولهذا أسباب وجيهة جدًّا. *نعوم تشومسكي- 1986

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة, شباب, كشافة

المصادر

صحيفة الكشافة الإلكترونية - electronic scouting newspaper ، إدارة عمر فريد عالم
عرض التعليقات
تحميل المزيد