دائما في كل المواقف والمراحل نحتاج إلى مراجعة التاريخ ليكون لك من البصيرة والبيان لاستبصار الرؤية الواضحة ودائما تجارب التاريخ هي أفضل الحلول الممكنه لأنك تستطيع من خلالها أن تقيس درجة النجاح والفشل والرؤية إلى الأمام، «وتلك الأيام نداولها بين الناس»، «لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب».

وكلما كان درس التاريخ من تجارب الحبيب صلى الله عليه وسلم كلما كانت التجربة مثالية في كل شيء من حيث التطبيق والأدوات والوسائل ودرجة النجاح.

فالمتأمل لغزوة الأحزاب يجد فيها الدروس المهمة لحاضرنا الذي نعيشه بعد الانقلاب من حيث أولا: الحشد لكل الجزيرة العربية لاستصال الإسلام وإنهاء هذا الكيان الجديد الذي يراه المشركون خطرًا على مكانتهم واقتصادهم وممالكهم ذلك أن الإسلام جاء لينتشر لا ليقبع داخل المدينة المنورة فكرة أرعبت المسيطرين على الجزيرة العربية وانتقال السيادة والحكم من أهل الشرف والمكانة إلى عامة الناس فالكل متخوف من هذا الكيان الجديد فتم جمع كل من له مصلحة في هدم هذا الكيان من داخل المدينة وما حولها من كل شبه الجزيرة العربية وتلاقى كل ذلك مع مصلحة اليهود في إقصاء الدين الجديد لتظل اليهودية هي أعلى قيمة دينية في الأرض.

ثانيًا: كيفية المواجهة وتمثلت في ثلاثة أمور في غاية الخطورة والأهمية لتحقيق الانتصار في هذه المعركة.

الأمر الأول: المحافظة على كيان الجماعة المسلمة ضد محاولات التفتيت والتشكيك والتفرق. فالمنافقون واليهود حاولوا بكل الطرق زعزعة هذا الكيان من الداخل حتى يتسنى لهم القضاء عليه إلا أن الترابط القوي بين القيادة والصف كان في قمة التماسك نتيجة الثقة الكاملة بينهم ونتيجة المشاركة الكاملة في صناعة القرار حيث الحدث جلل وكبير والظروف عصيبة والمؤامرة كبيرة ولا ينبغي أن يكون الصف بعيدًا عن صناعة القرار ومعايشة الواقع مع القيادة وكانت الفكرة واضحة وهي أن المحافظة على هذا الكيان مترابط ليس في حد ذاته هو الهدف وفقط وإنما كان الحفاظ من أجل تحقيق أهداف أخرى كبيرة أكبر من الكيان نفسه ومن ثم فليس هناك مجال لإحداث شق في الصف. هذا التلاحم أوجد أهم عامل من عوامل التصدي والانتصار والتقدم.

الأمر الثاني: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا»، «فينظر كيف تعملون» جملة قالها الحبيب بعد انتهاء الغزوة والتي تنم عن رؤية واضحة بعد الانتصار دائما، ماذا بعد؟ بدون هذه الرؤية فردة الفعل ضدك ستكون سريعة وقد تؤدي إلى هزيمتك لا يمكن أن تكون ردة فعل دائما لابد أن تكون فاعلًا، وفاعل مؤثر، لابد أن تملك المبادرة والرؤية لإدارة المشهد كاملًا حتى لا تكون الخسارة كبيرة، أنت ستدير دولة لا بد أن تكون مستعدًا وتخرج من عباءة إدارة حزب أو جماعة لتنطلق إلى مسؤوليات أكبر.

الأمر الثالث: قد تعتقد أن الأخذ بالأسباب المادية الممكنة هو يعني امتلاكك لكل أدوات النصر لا بد أن تؤمن أن هناك عاملًا مهمًا دونه لن يتحقق هذا الانتصار هو الإيمان بالله والثقه فيه.

بداية المعركة ليست من صنعك دائما هي مقادير مقدرة من الله عز وجل من أجل إحقاق حق وإبطال باطل وانتهاء المعركة ليست بيدك دائما هي أيضًا بيد الله عز وجل «وما النصر إلا من عند الله» دائما أنت مطالب بأمر واحد وهو الأخذ بكل الأسباب الممكنة التي تتوافق مع إمكانياتك فأنت مطالب بإفراغ الجهد لتحقيق النصر ووضع سيناريوهات الخروج مما أنت فيه ولكن أي السيناريوهات هي الموصلة لتحقيق النصر هذه بيد الله عز وجل فإرسال الله عز وجل للرياح لم يكن من ضمن السيناريوهات المعدة والمتوقعة للنصر.

أردت أن أركز على هذه الأمور لأننا نقرأ التاريخ وإذا قرأناه قرأناه موجزًا فالعبرة بمن يأخذ الدرس كاملًا دون نقصان فالأمر الأول والثاني استطاع المجلس العسكري أن يحدث به الفرقة داخل أطياف ثورة 25 يناير ولم يكن ثوار 25 يناير جميعًا يملكون رؤية لإدارة المرحلة ولا لبناء دولة فأحدث العسكر ثغورًا داخلهم وتمكنت الدولة العميقة بكل أطيافها بمعاونه دولية من الرجوع مرة ثانية ومن خلال خطة ممنهجة.

إننا أمام حرب استئصال لكل من ينتمي إلى ثورة يناير ولكل من يحاول إعادة المشروع الإسلامي إلى الواجهة مرة ثانية وفي القلب منهم التيار الإسلامي ولا تراجع من الانقلابيين، إنها حرب بلا هوادة ولا تراجع ولا ترك فرصة أو طريق للتراجع منهم القرار محسوم لديهم.

ولذلك من الوعي والتفرقة بين مواجهة شاملة تتطلب الثبات وتغيير تكتيك المواجهة أو مواجهة جزئية تستطيع أن تنسحب للم الشمل واستعادة قوتك مرة ثانية فالحالة الأولى حدثت في الأحزاب حينما عرض على الصحابة صفقة غطفان كان الرد لن نعطي الدنية في الدنيا لحظات الضعف في المواجهة الشاملة فرصة للانقضاض عليك لأن الهدف منها الاستئصال أما الحالة الثانية حدثت مع خالد بن الوليد حينما انسحب بالجيش بعد محاولة لتقليل الخسائر لأن هناك فرصًا أخرى تستطيع أن تعوض ما فاتك فهي معركة جزئية لن يترتب عليها استئصالك أو هزيمتك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد