دائمًا ما يجد الحزب العربي نفسه محاطًا بأصابع الاتهام التي تحمله مسؤولية أزمات الشارع، دائمًا ما يحمل الحزب أو التنظيم أو الحركة أو الجماعة أعباء الفرد المستقل، ليس لأنه السبب فيها، بل لأنه ببساطة جماعة. يؤمن الكثير من العرب بأن الأحزاب في بلادهم سبب التناحر والتصارع الذي بدوره يؤدي إلى سقوط حقوق الأفراد في مستنقع المصالح الحزبية والفئوية للمتنفذين في هذه الأحزاب.

من جهة أخرى، فإنني أؤمن أن مشكلتنا ليست في الأحزاب بحد ذاتها، إنما مشكلتنا تكمن فيمن يعتبرون الحزب هو الغاية التي يسخرون الوطن لها كوسيلة، وليس العكس، أما الحزب بذاته فهو إرث تاريخي لا يمكن لعجلة الديمقراطية الحقيقية أن تسير بدونه، ولا أن تحقق تقدمًا في جلب الحقوق واستعادة هيبة المواطن وأثره على الدولة.

إذا حاولنا أن نفهم الحزب بشكله الواقعي وبدون تكلف في تعريفه اللغوي والاصطلاحي؛ فإنه يمكننا تفسير الحزب على أنه مجموعة من الأشخاص تجمعهم رابطة معينة – غالبًا ما تكون هذه الرابطة فكرية أو سياسية في زماننا هذا – وأن هؤلاء الأشخاص يميزون أنفسهم ويهتمون بشؤون بعضهم البعض، ويحبون أن يكون لهم الأفضلية، وأن تكون لهم الهيمنة على غيرهم، وهو ما يعتبر ظاهرة بشرية طبيعية بعيدة كل البعد عن التسلط والتسلق وأكل الحقوق.

وحتى لا نخلط الأوراق ونمزج المكونات فنخرج من السياق، سنتكلم عن الأحزاب السياسية بعيدا عن التجمعات الأهلية والمهنية والنقابية، بالرغم من اشتراكها في تعريف الحزب في معظم أوصافه، وبالرغم من خضوعها أيضًا لحالة الاتهام وعدم الثقة من قبل المواطن العربي.

قيام الأحزاب في العالم العربي من أساسه قائم على تحد مع الشارع بسبب كفره بالأحزاب، وتحديه مع الأحزاب الأخرى المهيمنة، الاشتراكيون على سبيل المثال يعتبرون التعددية الحزبية خيانة، وتقوم دولتهم على مبدأ الحزب الواحد، أما الإسلاميون ففريق منهم يعتبر التحزب كفرًا؛ لأن الأحزاب تدخل الانتخابات وتخوض تجربة الديمقراطية التي تتعارض ابتداءً مع مبادئ هذا الفريق – دون إهمال أن فريقًا من الناس يحمل هذه الفكرة، ويجتمع عليها يعتبر في حد ذاته حزبًا.

ذكرت الأحزاب في القرآن الكريم في شقين، أحزاب امتدحها الله في كتابه وضمها إلى صفّه وربطها باسمه فقال تعالى: إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ، وفي شق آخر ذمها ونسف كل ما تحمله من أفكار ورؤى واعتبرها باطلة قائمة على باطل، فلا فائدة منها، وقال في كتابه: كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ. وعلى هذه الآيات يختلف الناس إما في تأييد وجود الأحزاب أو رفضها تارةً، أو في احتكار أحقية وجود حزب وحيد وهو حزب الله تارةً أخرى.

في الواقع، علينا أن نضع حدًا فاصلًا وواضحًا بين الأحزاب التي ذكرت في القرآن من جهة، وبين الحركات السياسية والتجمعات ذات الهدف الواحد التي عرفناها بالحزب. فإن إسقاط الآيات التي تحدثت عن هذا الشأن أمر عار عن الموضوعية وهو استشهاد غير منطقي بالآيات، فلا حزب الله الغالب هو حزب سياسي برئيس وأعضاء، ولا الأحزاب الفرحة بما لديها هي أيضًا حركات سياسية تود أن تدخل في انتخابات مع حزب الله.

فلو تساءلنا: أين هو حزب الله إن لم يكن حزب الله هو الحزب الفلاني أو الحزب العلاني؟

حزب الله هم كل الخيرين في بلادنا، أفرادًا كانوا أو جماعة، أو حتى لو كانوا ضمن عدة جماعات، فكلما اعتصم رجل بحبل الله، وعمل مخلصًا هو من حزب الله، وليس لأي حزب اليوم أن يدعي أنه هو حزب الله. وهذا بالتأكيد لا يعني أن كل الأحزاب السياسية الموجودة على الساحة بمختلف توجهاتها هي من الحزب المضاد أو من الأحزاب التي كل منها فرح بما لديه وهو لا يدري أن ما لديه باطل.

الحزب قديم في التاريخ ولو اختلف في الشكل الظاهري وفي النظم الإدارية له ولقياداته وأعضائه، إلا أنه يحمل نفس الفكرة في أصلها وفي غرضها، فها هي دولة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تحمل في جنباتها فكرة الأحزاب، وهي الدولة الكاملة في كل جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية. فالمهاجرون والأنصار كانوا يشكلون حزبين رئيسين، وعلى قدر الوحدة بينهم في الأهداف والنوايا والوحدة في الهم والدم والدين والعمل، إلا أنه كانت بينهم اختلافات حزبية يُغَلّب فيها كل طرف منهم مصلحته الخاصة.

أما عند توزيع غنائم حنين، وتفضيل الرسول -ص- لأهل مكة في الغنائم -لضرورة هو يراها- غضب الأنصار فقالوا:  أيُعطي – أي رسول الله – قريشًا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ وأما عند وفاته – صلى الله عليه وسلم – اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليولوا خليفة رسول الله من حزبهم، فاختاروا الصحابي الأنصاري الجليل سعد بن عبادة لذلك، إلا أن الفاروق العادل المهاجر بن الخطاب سارع إلى أبي بكر الصديق ليقنعه بأحقيته في الخلافة؛ علها لا تخرج من حزب المهاجرين، وبالفعل نالها بالتوافق بين الحزبين.

الأجدر أن تتواجد الأحزاب من الناس وللناس، تتنافس في تقديم الأفضل لهم، أن تكون الأحزاب مبنية على أسس وبرامج واضحة وشفافة ينتقي منها المواطن ما يناسبه في حينه في مكانه وزمانه. الأجدر أن يكون الحزب خادمًا للمواطن، لا أن يكون المواطن عبدًا للحزب وقياداته يوجهه كيف يشاء ويجره إلى الطاعة العمياء مسلطًا على رقبته سيف الكوبونة. الأجدر في الأحزاب أن تكون كلها حزب الله، تتفق في ذات الأهداف وترمي إلى ذات الغايات مع اختلافها الطبيعي والصحي في الوسائل والأساليب. لو كان من الأحزاب ما كان الأجدر بها أن تكون عليه، لما وجدت حال الحزب في وطننا كما هو الحال عليه. فالحزب، مذنب أم بريء؟ بريء يقوده المذنبون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد