طبيعة النقاش حول أحقية أي حزب بالاحترام صارت من الماضي؛ فالأحزاب المغربية رغم كثرتها لا تفي بالغرض الذي من أجله وُجدت، ذلك أنها صارت جزءًا من الفساد الذي كان من الأجدر بها محاربته، وهذا أمر معروف سلفًا، لكن ان نبخس حق حزب جاء لمحاربة الفساد وتعرض لضغوطات متتالية منذ تأسيسه إلى يوم الناس هذا، حتى ظن الناس أنه فاسد، ليس لأنه كذلك، لكن رغبة المتحكمين والماسكين بخيوط اللعبة السياسية جعلت الناس يصدقون ما يفترونه. أمر كهذا يجب أن يعاد فيه النظر. فلا أحد ينكر أن أحزابًا كانت لها رغبة جدية في خدمة الوطن، لكنها اصطدمت مع إرادةٍ معاكسة، فكان الفشل حليفها، وهو الأمر نفسه الذي وقع مع حزب العدالة والتنمية، الذي لا ننكر أنه ارتكب بعض الأخطاء ودفع ثمنها، ولم يصل إلى أقصى ما كان يطمح إليه الحزب، من تقدم ورقي للشعب، لكن على الأقل يجب أن نأجره على المحاولة، فله أجر المحاولة، خصوصًا أنه جاء في مرحلة حساسة.

الأحزاب في المغرب هي دكاكاين موسمية، تنشط كل خمس سنوات، من أجل حصاد غلة تلك السنوات، واقتسامِ كعكة الانتخابات دون أن يظهر أثر تلك الكعكة إلا على وجوه كبار مسؤولي الأحزاب.

أتساءل مع نفسي عن حال المغرب قبل ترأس الحزب للحكومة، وحال المغرب بعد ترأسه لها، فأجد أن الجواب واضح للعيان، إلا من جاحد منكر لا يرى سوى النكبات والخيبات. أن تقوم بإصلاح بلد عمره الواقعي والحقيقي ستون سنة، وقد دمرته سياسة عقود من استنزاف الطبقة الحاكمة، أن تكفي معه خمس سنوات أو حتى عشر لإصلاحه، في نظري، فالأمر كمن حاول الإقلاع عن التدخين بصفة نهائية بعد سنوات من الإدمان.

إذا كان الأستاذ عبد الإله بنكيران قد صار أيقونة الحزب والسياسة في المغرب، وصار الناس يعرفون معنى السياسة، ويعرفون أن هناك شيئًا اسمه رئيس الحكومة، وأن المغرب له برلمان بعدما كان ذلك مقتصرًا على علية القوم، الذين يعرفون من أين تؤكل الكتف، فيجب أن نشكر عليه حزب العدالة والتنمية والأستاذ بنكيران شخصًّيا. لا أنكر أني كنت ضد العديد من القرارات التي فرضتها المرحلة، والتي كنت أعرف أنها ستكون القشة التي ستقصم ظهر حزب العدالة والتنمية، لكن جرأة رئيس الحكومة كانت واضحة وله أجر على جرأته. كنت أعتقد أن الحزب هو من سيؤدي ثمن الجرأة السياسية دون غيره، لكن دعنا نقول إن هذا الحزب كان له الجرأة في مصارحة المغاربة أن صناديقهم قد سرقت، في وقت كان عبد الرحمان اليوسفي ومن تبعه أقل جرأة على اتخاذ قرار الإصلاح، خوفًا على مصلحة الحزب والمصالح الشخصية. رغم أنها سرقت في عهدهم، وهم يعرفون من اختلسها، وهذا أيضًا يجب ألا نبخسه أجره.

حزب العدالة والتنمية كان وما زال حزب المؤسسات والديمقراطية وسيظل كذلك. وهذا بحد ذاته إنجاز يجعل الجميع يقف احترامًا وتقديرًا؛ له فهو النقطة البيضاء وسط ظلام الدكاكين السياسية، أو لنقل الشركات الحزبية العائلية، جعل المغاربة يقولون إن هناك ديمقراطية على الأقل داخل مؤسسة حزبية بعدما غابت عن الدولة وهذا أيضًا له أجر.

في ظل غياب ديمقراطية وطنية تقطع مع ما يسمى بالاستثناء المغربي وتجعل المواطن في مقدمة أولوياتها، لن نتحدث عن إصلاح حقيقي. فالمعارضة التي يتعرض لها كل من أراد تغيير أوضاع بلد اعتاد مسيروه الاستحواذ على خيراته، لن تترك له مجال المناورة، خصوصًا في بلد ما زال المواطنون يبيعون صوتهم مقابل 200 درهمٍ.

فوز حزب العدالة والتنمية بالانتخابات التشريعية بعد ما راهنت القوى المتحكمة على حزب الأصالة والمعاصرة، كان رسالة واضحة لكل من ظَن أنه فقد شعبيته. وتمسك الأستاذ بنكيران بتشكيل الحكومة وتحمل عبء البلوكاج لمدة أكثر من أربعة أشهر دليل آخر على أن شعبية الحزب ما زالت ترهب خصوم الحزب، وهذا أمر يجب أن نؤدي أجره أيضًا للحزب وللأستاذ بنكيران شخصيًّا.

أقول إن الإصلاح يأتي تدرجًا وليس دفعة واحدة، ولنا في فرنسا خير مثالٍ، فالتاريخ يحفظ لنا أن الثورة حدثت سنة 1789 وراح ضحيتها آلاف من المواطنين الأبرياء، حتى وصلت لما هي عليه الآن، وهو الأمر نفسه الذي يجب أن يقع في بلد عمره الواقعي 60 سنة، فثمن الإصلاح كبير يفرض علينا التضحية، ولا بد أن يدفعه جيل من الأجيال، وإلا سنبقى كما نحن عليه. إن ما روجه الإعلام الذي لا يخدم سوى مصلحة هؤلاء الذين يمولونه حول الحزب قد نجحوا فيما خططوا له، لكن إرادة الشعوب ستنتصر يومًا ما. وسنرى حين يختار الحزب التموقع في المعارضة، قول من ترأس الحكومة أننا ما زلنا نصلح ما أفسدته الحكومات السابقة لمدة عشر سنوات، وأقول حينها هل يعقل أن يتضرر بلد من سياسة حكومة سيرته لولايتين ولن يتضرر من ستين سنة من النهب.

فلا تبخسوا أجر من ظن أنه يُحسن عملًا، على الأقل فله أجر المحاولة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات