أفرزت الثورة السورية معادلة سياسية جديدة على كل المستويات، ولا سيما السياسية، على صعيد السيولة الحزبية، حتى باتت كل مجموعة تقوم بالدور الذي حُرمت منه على مدار عقودٍ بتأسيس الأحزاب السياسية السورية المناهضة للنظام السوري، ولكن هذه الأحزاب بقيت خارج دائرة التأثير السياسي؛ كونها حديثة النشأة. فالعمل السياسي يحتاج إلى تراكم تجارب ومعرفة، وهذا بطبيعة الحال غير متوفر لدى الشعب السوري.

خضعت سوريا إلى ما يُقارب نصف قرن من حكم عائلة الأسد، وحزب البعث العربي الاشتراكي، والذي عمل على إنهاء الحياة السياسية في إطار مساعيه لاحتكارها وتنظيمها بما يتوافق مع رؤيته تجاه الدولة الراضخة لحكمه التي وصفها جورج سورا «الدولة المتوحشة».

هذه السياسة منعت إنشاء الأحزاب السياسية في سوريا ما لم تنضم إلى ما يُسمى «الجبهة الوطنية التقديمية» التي احتكرت العمل الحزبي بما يخدم حزب البعث، وأحكم النظام السوري قبضته على الحياة السياسية بعدما أقر دستور 1973، والذي نصّت مادته الثامنة على أن «حزب البعث العربي الاشتراكي هو القائد في المجتمع والدولة» قبل أن تفرض الثورة السورية واقع التغيير للدستور، ويُعدل الدستور، ويصاغ قانون الأحزاب أواخر عام 2011 لأول مرة في تاريخ حكم النظام السوري رغم أنّ تلك الخطوة لا تُعتبر أكثر من شكلية.

يحتاج العمل السياسي إلى بيئة ملائمة لممارسته كون العلاقة بين العمل السياسي «الحزبي» والديمقراطية علاقة جدلية، وهذا غير متوفر في سوريا، رغم كثرة أحزاب المعارضة السورية إلا أنّ ذلك لا يُعتبر مؤشرًا على ديمقراطية تلك الأحزاب التي تأخذ دورًا مهمًا ليس فقط في النماذج الديمقراطية، وإنما الديكتاتورية أيضًا بما تحمله من أدوات تجميلية.

بقيت أحزاب المعارضة خارج مساحة التأثير السياسي خلال فترة العشر سنوات، ويكاد يكون أداؤها ضعيفًا جدًا مقارنةً بأعدادها، إذ إنّ الفكر السائد والمترسخ لدى المجتمع السوري أضعف الثقة بجدوى العمل الحزبي، كذلك تعاطت تلك الأحزاب مع الواقع السوري بقصورٍ، ولا سيما في تشكيل الحواضن الاجتماعية، وتبني خطاب مواجه للأفكار التي تسيطر على عقول المجتمع، إذ إنّ هذه الأحزاب عانت من الشللية، وتصدر كبار السن المشهد، وإقصاء الشباب، والبحث عن مناصب في مؤسسات المعارضة السورية، كذلك المواجهة الأيديولوجية، بدلًا عن التنسيق فيما بينها، رغم أنّ التنسيق حدث في بعض المناسبات المعدودة، ولكنها تبقى خجولة.

وتُعرّف الأحزاب السياسية بأنها تنظيمات اجتماعية تسعى إلى الوصول إلى السلطة باستخدام أدوات التدافع السياسية والحواضن الاجتماعية، فتأخذ على عاتقها دورًا مهمًا في خلق وتعزيز ثقافة التنشئة والمشاركة السياسية وترسيخ الديمقراطية التشاركية وتساهم في رفع مستوى الوعي السياسي لدى المجتمع، كذلك المنافسة العادلة ضمن الأطر القانونية، وتعمل على تطبيق مبادئ الحوكمة أي أنّها تعبر وتعكس إرادة قاعدتها الشعبية وتخوض باسمهم ولأجلهم الاستحقاقات الانتخابية لتحقيق تطلعاتهم، وأنّها تشكل قنوات التواصل والتأثير والمشاركة بين السلطة-الشعب.

تختلف الأحزاب في التوجهات السياسية، لكنها تتفق في المبادئ الوطنية صياغة القواعد والأهداف بغية تحقيق المصلحة العامة الوطنية.

على العموم إنّ أبرز ما تعاني منه أحزاب المعارضة السورية عدم وجود مرجعية قانونية تأخذ دور تنظيم العمل الحزبي؛ الأمر الذي أدى إلى فوضى عارمة، فأصبحت عملية إنشاء الأحزاب السياسية الشغل الشاغل للكثير من الشخصيات.

لذلك فمن المهم أن تأخذ المؤسسة التي تحظى باعتراف دولي هذا الدور، وتقوم بإقرار قانون أحزاب مؤقت يساعد في ضبط عملية إنشاء الأحزاب، ويرفع مستوى تأثيرها سياسيًا، وهذا يوفر كوادر لدى المعارضة السورية، ويعزز المشاركة السياسية، ويرفع الثقة والتكافل الاجتماعي، أو أن تعمل أحزاب المعارضة السورية على خطوة إنشاء منصة مشتركة تجمع ممثلي أبرز الأحزاب السياسية، وتنتخب لجنة قانونية تصيغ «قانون أحزاب مؤقت»، وتضع القوانين الحزبية والسياسات العامة، وتكون المرجع الرئيس لتلك الأحزاب، وبذلك يتم ضبط العمل الحزبي بشكل منسق عبر مراقبة العمل السياسي الحزبي، ولكن مع الأخذ بعين الاعتبار عدم تحويل هذه المنصة إلى جبهة وطنية تقدمية جديدة قد تُعيد إنتاج منظومة البعث في التعاطي مع الحياة السياسية، بالتالي من المهم أن تُرسخ هذه الأحزاب مفهوم الديمقراطية، وتعمل على تطبيقه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد