في نهاية السبعينيات عرضت على مسارح لندن مسرحية من ثلاثة فصول، تحكي عن حفل يقيمه مدير إحدى شركات البترول الإنجليزية لأمير من أمراء العرب، وفي الفصل الأول يحكي ذلك المدير لزوجته عن طباع الأمير ضيف الحفل، وكيف أنه «عاشق للجمال»، طول الوقت، فإذا رأت أن واحدة من ضيفات الحفل أعجبته فما عليها إلا أن تهيئ له الجو ليختلي بها، وبالطبع وافقت الزوجة وظلت طول الوقت تراقب تحركات ذلك الأمير لتعرف من هي «المحظوظة» التي ستنال شرف صحبته الليلة.

وفي الفصل الثالث وبينما الحفل لا يزال صاخبًا، تظهر زوجة المدير وهي تطلب منه الحديث على انفراد، وبينما هو مشغول بالاهتمام بالضيوف وعلى رأسهم ذلك الأمير العربي، ولما انفردت به قالت: «هل تدري من أعجبته الليلة؟، إنه يريدني أنا!»، وبالطبع ذهل المدير الزوج وكان رد فعله التلقائي: «ماذا؟هل جن؟»، ولكن بعد قليل عاد لهدوئه وفكر بما سيخسره من جراء رفض طلبات ذلك الأمير، فما كان منه إلا أن قال لزوجته: «حسنا حبيبتى.. أغلقي عينيك وفكري بإنجلترا»!

كانت هذه إحدى تجليات الفن في الغرب  لرصد طبيعة العلاقة بين الثري العربي والموظف الأوروبي بعد ارتفاع أسعار البترول عقب حرب أكتوبر 1973، وما صاحبها من تغييرات أساسية وجوهرية، نتج عنها أن تحول العربي/البدوي إلى مصدر للغنى والثروة وأصبح قبلة لكل باحث عن الفرصة بغض النظر عن المقابل الذي عليه دفعه.

ومن زاوية أخرى كانت هجومًا وتهجمًا على الأثرياء الجدد وتصويرهم بصورة الشخص غير المتزن، الشهواني والشره والذي يعتقد أن كل شيء سهل الحصول عليه بالمال، وأنه لا شيء يقف أمام رغباته مهما كانت دنيئة ومنحطة.

ولقد ظلت تلك هي الصورة النمطية الشائعة عن العرب لفترة طويلة نسبيًا، حتى حلت محلها صورة الإرهابي الكاره للغرب وكل قيمه وثقافته سواء كان ذلك لسبب ما أو بدون سبب، والمتعطش دومًا للدماء والقتل، ولا شك أن الآلة الإعلامية الجبارة في أوروبا وأمريكا نجحت في ترسيخ تلك الصورة سواء بكثافة تكرارها في الميديا، أو بإنتاجها في أستوديوهات السينما.

ولقد حاول بعض العرب – وفي مقدمتهم المملكة السعودية – تغيير ذلك بطرق كثيرة ومتعددة، لكن بدون نجاح يذكر، وهذا بالطبع بسبب الطريقة التي اعتُمدت لذلك، والتي للأسف لم تكن سوى: المال!

على مدى سنوات طويلة اشترت الحكومات العربية مساحات شاسعة في الإعلام الغربي، وتعاقدت مع شركات كثيرة للدعاية والإعلان بهدف الترويج لنفسها ولرؤسائها، وهو ما كلف أموالا طائلة، ولكنها بدون عائد يذكر، وأبسط ما يدل على ذلك هو أنه بعد كل حدث إرهابي، أو أزمة سياسية تمت للعرب بصلة تستدعي تلك الصورة النمطية المعتادة بسهولة ويسر عملًا بالقول الشائع: «كأنك يا أبا زيد ما غزيت».

وفوق ذلك كله اعتمد بعض العرب سياسة التقرب من الحكومات الغربية وإقامة صداقات شخصية والقيام بكل ما يطلبه روؤساء تلك الحكومات والدول حتى ولو كان خارج إطار القانون والتقاليد المعمول بها في العلاقات بين دول العالم، وماحدث في فضيحة إيران/ كونترا في الثمانينيات خير دليل على ذلك، وأيضًا كما حدث مع كل انتخابات رئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث إن كل مرشح يعتبر الأموال العربية احتياطًا إستراتيچيًّا له عندما يحتاج لتمويل سري لحملته، وأبرز مثال على ذلك ما حدث في بداية السبعينيات عندما دفعت السعودية 3 ملايين دولار وبشكل سري لحملة «ريتشارد نيكسون»،الذي رد الجميل بفك الارتباط بين الذهب والدولار.

وللأسف يتصور بعض العرب – إن لم يكن كلهم – أن لهم تأثيرًا ورأيًا في قضايا الإقليم والعالم، وهو تصور ليس له أساس من الصحة، لأن تلك القضايا لا تناقش أو تحل من خلال حفلات الاستقبال الضخمة، أو التشريفات المبهرة، أو شراء دقائق على شاشة الـCNN.

والآن وفيما ينتظر العرب والمسلمون زيارة «دونالد ترامب» للسعودية وفيها تلك القمة المقترحة والحلف السني المزمع إقامته ضد المحور الإيراني الشيعي فإن الأمر لا يعد – رغم عناوينه البراقة – إلا خطة أمريكية بأموال عربية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد