البشتون طبقًا لتقرير نشره موقع الجزيرة «مجموعة عرقية تقطن بجنوب وشرق أفغانستان وبمناطق الشمال الغربي الحدودية والمناطق الفيدرالية المدارة قبليًا وإقليم بلوشستان بغرب باکستان، وتعرف بتسميات مختلفة مثل البشتو بالفارسية والبشتون أو بختون أو بتان أو أفغان باللغة الأردية، ويشكل البشتون ثانية المجموعات العرقية الكبرى في باكستان ويمثلون نسبة کبيرة في الحکومة، وتشير تقديرات غير مؤكدة إلى وجود 40 مليون بشتوني في مختلف أنحاء العالم يتوزعون على 60 قبيلة وأكثر من 400 عشيرة».

ولعل من أشهر صور مجلة «ناشيونال جيوغرافيك» كانت للبشتونية (شربات جولا) بعدسة المصور (ستيف ماكوري).

وقتها كانت الصورة تعبر عن الجمال الذي يعيش مآسي الحرب والعيش في مخيمات اللجوء، ولم تخبرنا عن صرخة النساء في قبائل «البشتون».

البيئة التي تنشأ فيها نساء البشتون قاسية جدًا من حيث الطبيعة الوعرة والحروب، مجتمع مكون من رجال مقاتلين على قدر كبير من التعصب الديني، ينال رجال القبيلة حقوقهم كاملة وفق قيم ذكورية تعتمد أساسًا على قانون الشرف، في ظل هذا تعاني المرأة جسديًا ومعنويًا.
نساء البشتون غالبًا ما يقمن بكل الوظائف المعيشية التي تتطلب مجهودًا شاقًا لأن أغلب الرجال مشغولون بإطلاق الرصاص على بعضهم البعض أو في نقاشات فارغة حول التعصب الديني والمذهبية، وهذا يبين العبء الجسدي على المرأة البشتونية.

من حيث الشق المعنوي (النفسي) في حياتها، فالحب ممنوع في قبائل البشتون، الفتيات سلعة متداولة بين القبائل، يتم مقايضتها حسب قانون قبلي صارم لا يراعي أي مشاعر أو قرار فردي.

وبالتالي تعاني المرأة البشتونية في زواجها بين طفل أو عجوز مما يجعل حياتها أشبه بعقاب يومي في الجحيم، والمخالف للتقاليد عقابه الموت بدم بارد، وهذا ما ظهر جليًا في قضية الشابين «رفيع محمد» و«حليمة محمدي» في العام 2011 حين قررا الزواج خارج إطار المنظومة القبلية تم الهجوم عليهم يوم العرس وإلقاء القبض عليهم وطالب المحتجون بإعدامهم وحدثت أحداث شغب راح ضحيتها فرد فيما عبر والده أنه سيطلب من الحكومة المركزية إعدام الحبيبين معًا!

لذا في الغالب تتجه البشتونية للانتحار باعتباره عملًا جماعيًا نيابة عن جميع المقهورين، مغذية بذلك ألحان «اللانداي». فالموت مرادف في أحيان كثيرة للحب.

اللانداي

كما جاء في كتاب الأستاذ (سعيد بهو الدين مجروح) حرفيًا يعني «الموجز» وهو قصيدة قصيرة جدًا مكونة من بيتين من الشعر الحر يتكون البيت الأول من تسعة مقاطع والثاني من ثلاثة عشر مقطعًا دون قافية إلزامية، لكن بتفعيلة قوية مع اختلاف الأنغام وفق المناطق، تكمن الميزة في هذا الشعر في حضور المرأة الفعال والقوي، فتظهر المنافسة في ارتجال أبيات «اللانداي» بين النساء والأفضل يترسب في الذاكرة متوارثًا بين الأجيال، فالبشتون لا يملكون نسقًا أدبيًا متبعًا فقط ارتجالًا يمنح ميزة تنافسية بين مجهولين يعبرون عن صرخاتهم عبر الأزمان بالغناء.

ومن المثير أنه لا يوجد «لانداي» واحد يشير إلى حب الزوج أو إلى علاقة متكافئة. فالمرأة دائمًا تصف الزوج «البشع الذميم» وعلاقات الحب والعشق كلها منصبة تجاه العشيق سواء أكان واقعيًا أم متخيلًا.

نماذج حياتية من شعر اللانداي

ترجم الأستاذ «جمال صلاح» كتاب الأستاذ «سعيد بهو الدين» فجاءت أحوال المرأة صعبة جدًا إلا أنها استحضرت الغناء في كل لحظة، فجأت قصيدة تصرخ في وجه القدر من مجهولة تقول فيها:

أيها البشر القساة

ترون كهلًا يجرني لفراشه

وتسألون لم أبكي، وأشد شعري

وهذا من مظاهر القهر الاجتماعي لنساء البشتون، فالغالب تستدعي المرأة الدعاء للصبر واحتمال هذا العذاب فتقول إحداهم:

يا رب، مجددًا الليل طويل حزين

ومجددًا هنا «بشعي الدميم» نائم

ونجد أيضًا الحضور القوي للتناقض في الشعر كما في الحياة فتدعو حبيبها إلى الفراش قائلة في استرسال:

يا حبيبي، اهبط إلى فراشي، لا تخشَ شيئًا

إذا انكسر، البشع الدميم هنا يصلحه

وهذا الكره الدائم للزوج جعل المرأة البشتونية تدخل نوعًا من الذكاء في التعامل مع أوقات الحروب فهي تدفع زوجها بكل الطرق إلى الذهاب للحرب على أمل ألا يعود منها. وهذا منطقي فالقهر لا يولد إلا الكره.

وقام الشاعر عبد الله أبو شميس بتعريب أبيات من شعر «اللانداي» بعنوان «بوح المرأة الأفغانية»:

المرأة البشتونية والمقاومة

أبريل (نيسان) 1980 مظاهرة حاشدة ضد الغزو السوفيتي لأفغانستان فتاة تسمى ناهد – إحدى منظمات المظاهرة – شتمت مسؤول البارشامي (ضابطًا) قائلة: أيها النذل الصغير، أنت لا تعرف كيف تدافع عن الوطن. خذ خماري وأعطني سلاحك، سندافع نحن النساء عن هذه البلاد أفضل منك». في مشهد بربري صوب بندقيته نحو رأسها وأطلق النار فسقطت قتيلة، وظهر هنا اللانداي مرة أخرى مخلدًا ذكرى ناهد فكُتب:

ناهد الجميلة قامت وصرخت بأعلى صوتها:

انهضن يا أخواتي للدفاع، الوطن بحاجة إلي

وهكذا حضر الفن والشعر تحديدًا بمحازاة الموت، فالمرأة البشتونية عرفت كيف تخلد مآساتها عبر الأزمان، فهي لا تملك سوى أغنيتها وموتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد