ربما يخطئ الكثير منا في رؤية الأمور بشكلها الصحيح، خاصةً إن كانت إحداهما مُتعلقة بالعاطفة، وما دُمنا نشعر بالسعادة فلا نكترث إن كُنا واهمين أم نحن حقًا على صواب؟!

لكن وبمجرد وُقوعنا في شائكةً ما، نسأل أنفسنا لما؟ وكيف؟ وهل كان الشعور الذي وصفنا دومًا لأنفسنا تجاه الآخرون حقيقي؟! أم كُنا زائفين؟!

الاهتمام، الحب، التَعلُق، الإعجاب، الحنين، جميعها مشاعر راودتنا واختلطت علينا في بادئ الأمر ومن ثم أدركنا أننا أخطئنا الوصف، وبمجرد الدخول في حكاية أخرى نكتشف أننا مازلنا مخطئين!

وهكذا دون توقف، دائرة لا تنتهي، تارة نُبرر بأنه القلب! والأخرى لأننا مازلنا مُراهقين! لذلك كان علىّ التفكير في الأمر بفلسفةِ أخرى، وبطرح أمثلة أكثر إلهامًا لنمطية أفكارنا، لتقضي أمرًا دومًا نستفتي فيه.

هل حقًا يختلف الحب بين الُعشاق عن الحب من أي فصيلة أخرى؟!

لا ينكر أحدُنا أنه يحب والدته، ووالده، وأشقاءه، وأصدقاءه، وفي ذات الوقت نعشق شخصًا أخر ندعوه الحبيب

لكن! كيف إن كان ذاك حب وذاك بحب، لا يبكي وينهار أحدنا بمجرد استقلاله بحياته الخاصة بعيدًا عن والديه؟ نظرًا لظروف العمل بالخارج أو الزواج أو أيًا كان، كما يفعل الشاب أو تفعل الفتاة بمجرد فراق الأخر عمن يعشقه؟

ولم لا نشتاق بالعودة إلى منازلنا لرؤية أبائنا بذات درجة الاشتياق التي تراودنا لرؤية من نعشق، والتفكير فيه طيلة الوقت؟!

لم يخضع في أي قصة حب أحد طرفيها للآخر وتُفرض عليه مبادئه بكامل إرادته، ويوافق على تغيير أسلوبه وطبيعته وأنماط حياته، والتي عجز دومًا أفراد أسرته على إقناعه بها؟!

لم نتقبل النصيحة والأمر ممن نعشق ولا نقبل ذات النصيحة من أبائنا وأشقائنا؟

ألم يصنف ذاك بحب، وذاك بحب؟

في الحقيقة لا! لم يكن الحب الواقع بين الفتاة والشاب حب حقيقي، حتى مع توهمنا بأن كل ما نفعله في السطور السابقة ناتج عن حب زائد عن الحب لمن حولنا لذلك نفعل لأجل تلك الشخص ما لا نفعله مع الآخرون، بل هو في حقيقة الأمر تعلق.

التعلق

عندما تتعلق أنفسنا بشيءً ما نتسم بعدة صفات لا تتوافق مع ذات الصفات التي نتسم بها عند وقوعنا في الحب، ولشدة اشتياقنا لما نتعلق به نشعر بأننا نحبه!

ومن ضمن الصفات التي تتسم بها شخصيتنا في التعلق هو عدم استطاعة أحد الأطراف أو كليهما بالبعد عن الشيء الذي تعلق به، بعكس الحب الذي نستطيع خلاله بالابتعاد عمن نحب لمدة ما.

على سبيل المثال

عندما تغوى أنفسنا أحد الألعاب الإلكترونية أو نشتاق لرؤية مباراة ما، نظل مُلازمين لها حتى ولو اشغلتنا عن مهام كبيرة في حياتنا، حتى ولو دفعتنا للهروب من المدرسة أو الغياب من العمل، ولا نبالي ونحن ندفع المال الذي أُرهقنا لتحصيله في أن ننفقه من أجل الاستمتاع بما نغوى، أو حتى دفعنا التعلق بشيئًا ما للتعصب على أحد أفراد أسرتنا، سواء إن كان تلك الشيء هاتف قاموا بإتلافه أو ساعة ثمينة أضاعوها!

وهل يُعقل بأن نُفضل ما نتعلق به عمن نُحب؟

نعم، لأن وببساطة نحن لا نُدافع عن ما تعلقنا به ذاته، بل ندافع عن متعة أنفسنا بتلك الشيء دون أن ندري، ولأن أنفسنا لا يضاهيها شيء، نجد أننا ندافع حتى الموت عما نتعلق به حتى ولو دفعنا ذلك إحزان من نحبهم حقًا.

إذن كيف نُميز بين الحب والتعلق؟

1) الفراق

إن أتى الفراق في بداية أمر التعلق لم يضاهيه في الألم أي فراق أخر! ولكن ماذا لو أتى بعد حالة الإشباع؟!

هذا هو ما يُفرق الحب عن التعلق

ففي التعلق عندما تلمس أنفسنا ما تعلقنا به، ننتظر حالة الإشباع وإن آن أوانها لا يمثل حينها الفراق أي فرق!

فبمُجرد انتهاء المباراة تعود حالة التعلق إلى النقطة صفر وبعدها لا نشعر بأي استمتاع في مشاهدة ذات المباراة مرة أخرى، حتى وإن أردنا ذلك لا نشعر حينها بذات درجة الاشتياق ونحن نُشاهدها للمرة الثانية، وربما لا نُقدم ذات التضحيات التي قدمنها في أول مرة.

ويختلف الأمر مع درجة التعلق بالشيء، فهُناك فيلمًا ما تعود فيه درجة التعلق إلى النقطة صفر بعد مشاهدته 100 مرة أو أكثر، وهناك لعبة إلكترونية ربما تعود درجة التعلق إلى الصفر بعد سنوات، ولكن في جميع الأحوال لا يكون بداية انجذابنا بذات القوة بعد فترة ما، فهو كرأس الهرم بمجرد أن نصل إليها نبدأ في النزول إلى حيث كنا!

أما الحب، فهو كطعام نشتهيه إن ازدتنا من تناوله تمل أنفسنا منه فنتركه ونُجرب الكثير غيره، ونتلذذ كلما أذقنا طعامًا أخر ونعاتب أنفسنا على صبرنا تجاه تلك الطعام الأول، ولكننا وبعد فترة وبرغم عدم الملل مما نتناول، نشتاق إلى تلك الطعام القديم مجددًا.

فبرغم اختلافنا مع آبائنا للدرجة التي يتمنى فيها البعض منا أن يستقل بحياته، وبرغم من أن الكثير يحيا لحظات المرح والمزاح بعيدًا عنهم، إلا إننا لا نستطيع الاستغناء عنهم، وبمجرد معرفتنا بأننا لن نتواصل معهم مطلقًا بموتهم على سبيل المثال، نشعر حينها بمدى حبنا إليهم، أو بمجرد أن يمرضوا مرضًا شديد حينها لا نستطعم أي شيء حتى ولو كان من نوعية الأشياء التي نتعلق بها.

باختصار … الأشخاص الذين نحبهم إن لم يصاحب تلك الحب تعلق، فنحن نُريد لهم كل خير وحياة سعيدة، ولكن دون اهتمام منا أو متابعة لهم، وربما يصل الأمر لفراقهم بعض الوقت دون أن يؤثر ذلك على مدى حبنا إليهم.

أما هؤلاء الذين نتعلق بهم دون حب فنحن نُريد الحياة بجانبه دومًا، وإن ابتعدوا عنا دون عودة ربما نتمنى لهم أتعس حياة، والألم! ليعرفوا قيمتنا على سبيل المثال، أو ليشعروا بما أذقونا يومًا، وهذا هو الفرق بين من نُحب وبين من نتعلق بهم.

2) التبديل

كم مرة قام كل منا بتغيير هاتفه المحمول؟ أو سيارته؟ أو حذائه؟ برغم كونهم في بعض الأحيان مازالوا على ما يُرام، بالطبع الكثير من المرات، وبرغم من أن بدايتُنا معهم كانت سعيدة، بل كنا نهتم بهم للغاية، إلا أن تلك الاهتمام كان ينخفض شيئًا فشيئًا مع الوقت!

إذًا ما الذي حدث؟

ما حدث هو أنه لدينا قابلية للتغيير والتبديل نحو الأشياء التي نتعلق بها حتى ولو إنسانًا ما، نشعر دائمًا بأننا نُريد الأحدث والمُعاصر، لأن غايتنا دائمًا تكون فيما يصدره الشيء وليس في الشيء ذاته، وهكذا عندما نرى شخصًا ما ونتعلق به بشدة نظن أننا أحببناه ولكننا أحببنا شخصيته أو أسلوبه أو نمط حياته، وبمجرد رؤيتنا لمن هو أفضل، أجمل، أميز منه نشعر بذات الشعور القديم مجددًا نحوه! لكن هل باستطاعتنا أن نفعل ذلك مع من نُحب؟

بكل تأكيد لا، فمهما بلغت صفات أي أب أو أم آخرين من روعة، وبلغت صفات آبائنا من قبح، لا نستطيع ولا نتقبل أن يتبدلان بآخرين؛ ربما يتمنى أحدنا أن يصبح أباه غني، أو امه أمرأه جميلة، ولكن هل سيقبل بأن يتبرأ من والديه وينتسب إلى تلك من تمنى، بالطبع لا، لأن أقصى ما أراده هو أن يحتفظ بروح والديه ولكن بداخل تلك الأجساد التي أحب صفاتها، وهذا هو الفرق بين التعلق والحب.

3) النمط

من أوجه الاختلاف أيضًا الذي يُفرق بين الحب والتعلق، هو نمط البناء لكليهما، ففي التعلق نبدأ بالمعرفة، يتلوها الإعجاب والشغف والتفكير وفي النهاية تعلق نصفه بأنه حب! لكنه لم يكن.

أما في الحب ينعكس الأمر تمامًا، فنحن نبدأ بالحب دون سبب دون حديث دون أي شيء، ومن ثم يأتي كل ما ذكرناه من إعجاب وشغف وتفكير لاحقًا، وربما لا يأتي أبدًا لكننا نظل نُحب حتى ولو لم يكن ما نُحبه هو الأميز، أو حتى إن لم يُحقق  ولو وحدة واحدة مما رغبناه دومًا، سنظل في جميع الاحتمالات نُحبه.

ولا عجب فيما ذكرت، فأقرب مثال على ذلك، معرفتنا بشخصً ما، في البداية لا نشعر تجاهه بأي شعور حتى تظهر مميزاته سواء إن كانت اللباقة أو الذكاء أو الغنى، أو أي مما تتعلق به النفس، أو ربما حتى لاحتياجنا بأن نعيش قصة حب! وننتقل مع الوقت إلى الإعجاب حتى التعلق، لكنه كما أردفت سابقًا حب زائف، وأكبر دليل على ذلك هو أننا لو تخيلنا خلو تلك الشخص من بعض أو كل صفاته التي جذبتنا نحوه، هل حينها سنتقبل الأمر ونستمر في حبنا إليه؟ أم سنكتشف أنه كان تعلق؟ والأدهى من ذلك، ماذا لو ظهر في حياتنا من يفوق تلك الشخص فيما انجذبنا إليه به؟!

إن كان الاختيار صعبًا بالنسبة إلينا أو فكرت أنفسنا فقط في الأمر بضيق، فنحن تعلقنا ولم نُحب؛ لأن ما يفرق الحب عن التعلق هو أننا نصنع المُبررات واحدة تلو الأخرى لمن أحببنا، فلو كان قبيح الهيئة ندعي بأننا سنساعده ليتحسن مظهره، وإن كان فقيرًا ندعي أنه طموح حتى وإن لم يكن وسيصبح غنيًا مستقبلًا، حتى وإن خلا من كل الصفات الحسنة سنُبرهن لأنفسنا بأنه يكفي أنه يحبُنا برغم من عدم ثقتنا حتى في تلك الأمر!

وخير مثال على ذلك هم الأبناء، فمنذ صغرهم يشعر الآباء بالحب نحوهم برغم من كون ملامحهم لم تكتمل بعد، وبرغم من فشلهم الدراسي، أو قبح سلوكهم، برغم كافة المشاكل التي ربما يقعون فيها بسببهم، إلا أنهم يظلوا فلذة الكبد بالنسبة إليهم.

في النهاية… يجب أن نيقن أن الملل أو القدرة على البعد أو المعاملة السيئة ليس دليلًا على عدم الحب، بل هو سوء فهم وعدم إدراك من كلا الطرفين أو أحدهما، وفي ذات الوقت شغفنا بشخص ما واشتياقنا له وانجذبنا نحوه ليس بالضرورة أن يكن حبًا له، بل حب لأنفسنا لأن من خلاله تتحقق متعة أنفسنا، سواء بحصولنا معه على جماله أو ماله أو حتى مزاحه.

ولا يعني أيضًا بالضرورة أن ينفصل الحب عن التعلق، فربما نحب ونتعلق بشخص ما في ذات الوقت، لذلك يجب أن نُفكر جيدًا فيما نحن عليه، سواء إن كان بذات الطرق التي أوضحتُها سلفًا، أو بأي طريقة أخرى لكي لا نُضيع من أحببنا حقًا أو يُضيعنا من تعلقنا به.

لماذا لا نشعر بمن أحبونا ونتحامل تحديدًا عليهم دون غيرهم؟‎‎

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد