منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها كان الإنسان حُرًّا في التنقل من مكان لآخر والذهاب لأي مكان بين الجبال والأنهار والسهول دون أي عائق، لكن مع ظهور الدفتر المستطيل الشكل تغيَّرت الأمور، فكيف ظهر وما تاريخه؟

عُرفت أول وثيقة سفر في تاريخ البشرية عام 450 قبل الميلاد، منحها الفارسي أر تحشتا الأوَّل لأحد مبعوثيه ليعبر بأمان إلى مملكة يهوذا جنوب فلسطين، كما منحها حكّام الولايات المسلمة وثيقة براء لمن دفع الزكاة، في حين ظهر مصطلح «باسبورت» في أوروبا خلال القرون الوسطى، عام 1414، أصدر ملك إنجلترا هنري الخامس أول ما يُعرف بوثيقة سفر صحيحة، كانت تُعطى للأجانب والرعايا على حدٍّ سواء، وخلال القرن التاسع عشر سجّل التاريخ ظهور العديد من نسخ ووثائق السفر، مثل الياباني عام 1866، والعثماني، والروسي عام 1900، والصيني 1898.

انهارت الثقة بين الدول خلال الحرب العالمية الأولى، الأمر الذي أدّى لفرض إجراءات مُشدّدة على التنقل والهجرة، وفي عام 1914 أصدرت بريطانيا أوّل جواز سفر حديث، كان عبارة عن ورقة واحدة تطوى لثمانية مربعات، وما لبثت الورقة أن تحوّلت لأوراق مجموعة في دفتر واحد، عام 1980 إثر اعتماد الدول معايير مُحدّدة لإصدار جوازات السفر في إطار منظمة الطيران المدني الدولية.

في ذلك التاريخ أصبح للبشر وثائق سفر مُتشابهة، لكن إذا كنت تظنّ أنهم أصبحوا سواسية فأنت مُخطئ، فالقانون الدولي يكفل لكل إنسان التنقّل بحرية خارج بلده وداخله، لكن الفكرة التي يقوم عليها جواز السفر في الأساس تناقض هذا الحقّ وتُعاديه

لأن هذه الوثيقة لا تمنحها الأمم المُتّحدة بل، تُصدرها الحكومات لرعاياها في الداخل والخارج وفق شروطها واعتباراتها، يُمكنها منحها أو إلغاؤها أو حتّى حظرها نهائيًّا، ولابُدّ أنّك سمعت بتصنيفات أقوى وأضعف جوازات سفر العالم هذا الأمر صحيح، يُعدّ عدد الدول التي يُمكن لجواز السفر دخولها مؤشرًا على قوّته، وحسب مؤشر هينلي لجوازات السفر لعام 2020، فإنّ اليابان وسنغافورة وكوريا الجنوبية وألمانيا في المرتبة الأولى عالميًّا، أمّا جوازات السفر في الدول العربية تحجز مواقع لافتة للنظر في التصنيف العالمي!

في الجدول نفسه ومن أسفله ترى سوريا والعراق والصومال واليمن ولبنان وليبيا في آخر الترتيب، إذا كنت سوريًّا أو فلسطينيًّا أو مصريًّا، فأنتَ تعلم بالتّأكيد أنّ دخول معاملة جواز السفر ربما قد تكون بالنسبة لك حربًا عالمية جديد، فقد أصبح هذا الدفتر الصغير سلاح حربًا بيد الأنظمة العربية، للضغط على رعاياها أو عقابهم، في سوريا ستجد أغلى جواز سفر في العالم! رغم أنّه يقبع في آخر سلّم الترتيب، وبينما يجني المواطنون بين 50 دولارًا شهريًّا إلى 100 دولار تصل تكلفة إصدار هذا الجواز في الخارج بقيمة 800 دولار!

وفي مصر يُمنع المعارضون لنظام السيسي من تمديد جوازات سفرهم في الخارج كما حصل مع العديد من الناس مثل اليوتيوبر الشهير «عبد الله الشريف» أو يُحظر عليهم السفر في حال لم يتم سجنهم بعد، أمّا الإخوة الفلسطينيون اللاجئون يحصلون على وثائق سفر من أربع دول عربية، سوريا ولبنان والأردن ومصر، ويعيشون اليوم معاناة السوريين والمصريين أيضًا.

وكما أنّ حرمانه يُعدُّ من أشكال العقاب كما فعل النظام الهندي المجرم عندما أبطل جواز سفر الداعية ذاكر نايك، فكذلك منحه يعد من أشكال التكريم والمكافأة، ويُفاخر المجرم الروسي بوتين بمنحه للشخصيات الأجنبية الشهيرة، أمّا الطاغية ولي العهد السعودي فقد قام بمنحه للروبوت صوفيا، خلال مؤتمر نيوم عام 2017.

تصعب الحياة بدون وثائق السفر وتُعد أكثر الأشياء عُرضة للتزوير، لذلك تعمل الدول على تطويرها باستمرار، لتنتقل من مجرد ورقة واحدة عام 1914 إلى دفاتر صغيرة مُزوّدة بصور ثُلاثية الأبعاد، وعلامات مائية ورُقاقات بيو ميترية، تتضمّن كل ما يُمكنك أن تتخيله من معلومات عن أصحابها.

نعم جواز السفر يُعدّ أكثر أداة للتمييز بين البشر في القرن الواحد والعشرين، وإحدى المشكلات التي يشترك فيها العرب مع عشرات الملايين حول العالم، وبدل أن تصرف الأمم المتحدة وحكومات ما يُسمّى العالم المُتحضّر، جهدها لحل مشكلات الجميع، تذهب ملايين الأموال لإجراءات التحقّق والتدقيق ومنع التزوير، ويبقى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بلا ختم عبور هو الآخر!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد