أتساءل عن أجيالنا الجديدة “الروشه” وما أنجزوه في حياتهم، هل هناك نتائج ملموسة نرتكز عليها ونستطيع اأن نتشرف بها ونذكرها لسنين طويلة قادمة؟ أم فقط نعتمد على صيت من سبقونا بإنجازاتهم المهولة ونكون فقط نحن الصورة بلا أصل! الماضي بلا مستقبل! المسخ بلا معنى!

أنا حزين كل الحزن على أجيالنا وعلى الأجيال القادمة، فنحن نقتبس من عمل الماضي ونقلده فقط أو نعيش على ذكراه، بدءًا من حضارة سبعة آلاف عام مرورًا بأحمد زويل العالم المصري الذي حصل على جائزة نوبل في العلوم، ومن ثم حُسب على المصريين كإنجاز نقدر كشعب أن نفخر به أمام العالم، وصولًا لبوجي وطمطم الذين لن نستطيع عمل مثيل لهم مرة أخرى.

في أي جلسة أصدقاء على القهوة تأتي أطراف الحديث لذكر لذكريات زمان وما كنا نفعله بالماضي، فتمر على أذنيك جملة: “كانت أيام حلوة .. أيام مش هتتعوض والله” والثناء على تلك الفترة الزمنية القديمة التي لن تتكرر، لكن الموضوع لم يقتصر فقط على قعدة الأصدقاء بل بدأنا نلاحظ توجهًا تليفيزيونيًّا ببرامج بدأت تظهر مضمون حلقاتها المليء بما مر من ماضي وحضارات السبعة آلاف عام، فمثلا تجد إسعاد يونس في برنامج “صاحبة السعادة” التي تتذكر الماضي الجميل الذي عاشت فيه وبما فيه من أمجاد عظيمة في جميع مجالات الحياة، وتأتي بنجوم وفنانين من الأجيال القديمة الذين يتذكرون معها الماضي ويذكروننا به ويتحدثون عن ثناياه، ومحمد صبحي لم ينسَ أيضًا الماضي الجميل فبدأ بعمل برنامج ليجمع فيه نفس الفنانين الذين كانوا في مسرحياته القديمة، تلك المسرحيات كانت أسطورة فنية ولكن في زمانها ووقتها وأبعادها الفكرية التي قد عفى عليها الزمن ولن تتماشى مع 2015 بنفس “إفيهات” ثلاثين سنة مضت.

لم يخلُ مجال الغناء من تقليد ونسخ للأغاني القديمة، فلا يخلو ألبوم جديد من أغنية قديمة قد أعيد توزيعها بإضافة “شك الشك”، مثلا ذو الصوت المبحوح الفنان أمير عيد يغني أغنية “المليونيرات” لمدحت صالح من جيل الثمانينات الذي غنى أغنية المليونيرات في 1992 أي من ثلاثة وعشرين سنة وكله في سبيل إحياء الماضي الجميل بلا ابتكار في حاضرنا.

و”السوشيال ميديا” دائمًا ما تنشط ذاكراتنا بالماضي، فتجد منشورًا يحتوي على صورة من الزمن الماضي وعدد ضخم من الكلمات وتمتاز دائمًا برقم ضخم من المشاركة وتفرض نفسها عليك لتقرأها وتشاركها، ويشتعل “السوشيال ميديا” وخاصة في شهر رمضان ويذكرك برمضان زمان، من عادات قديمة وفوازير شيريهان ومسلسلات ذات ستة أو سبعة أو ثمانية أجزاء مثل المال والبنون، فلا أتعجب من وجود إعلانات “تجمع لمتنا” الخاصة بالماضي على مدار ثلاث سنوات في شهر الصوم.

الرياضة هي الأخرى مليئة من حنين الماضي وتوكلنا على إنجازات الماضي، حسن شحاتة جاء لنا بكأس الأمم الإفريقية لثلاث مواسم متتالية، جول مجدي عبد الغني الشهير في كأس العالم ونحن الآن لا يمكننا الفوز في تصفيات للتأهل لكأس العالم أو الأمم الإفريقية حتي!

فيعجبني الشباب المبتكر مثل “إسلام حسام” فقد ابتكر إعلانًا يجذب انتباه المشاهدين عن “الإسكنشيزر” والذي هو منتج قديم كان ذكرى في صندوق ذكريات الأجيال القديمة، فترى في الإعلان كم الثناء على هذا المنتج وأنه أفضل من كل أنواع منتجات التسالي الخاصة بهذه الأيام، ولكن تكتشف أن “الإسكنشيزر” هو مجرد وهم صنعه حسام واعتمد على تجسيد أي شيء قديم كأنه الافضل دون شك.

لا اهاجم الماضي وذكرياته بل بالعكس يجب أن نفخر بحضارة السبعة آلاف عام وأحمد زويل، فالدول المتحضرة موجودة لما سلفها من حضارة السابقين، لكننا توقفنا عن صنع حضاراتنا ووقفنا ساكنين نتذكر فقط ما مضى ونصفق للمجد بلا حراك بلا إنجاز جديد، فهل تستطيع ذكر شيء واحد نستطيع أن نحكيه بفخر لأولادنا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد