تقدم هذه الدراسة رؤية تحليلية كاشفة لرواية علي الجارم «هاتف من الأندلس»، إذ تصور هذه الرواية مرحلة من أصعب مراحل التاريخ الإسلامي وأسوأها في القرن الخامس الهجري، حين سادت عناصر الفرقة وشبت نار الفتنة، وانقسمت الدولة الإسلامية في الأندلس إلى دويلات متناحرة، تكيد كل واحدة للأخرى، حتي ولو استعانت علي ذلك بالأعداء، وتدور معظم أحداث الرواية في مملكة قرطبة، أثناء حكم أبي الحزم بن جهور وولده، وما حدث من صراع وتنافس بين هذه المملكة ومملكة إشبيلية تحت حكم المعتضد بن عباد، ومملكة مالقة تحت حكم إدريسي الحسيني، ومملكة طليطلة تحت حكم المأمون بن ذي النون. وهذه الصورة الحزينة التي يقدمها الكاتب للواقع العربي في زمان بلاد الأندلس يقدمها الكاتب من خلال تصويره لحياة ابن زيدون، الشاعر العاشق لولادة بنت المستكفي.

قراءة للسياق الذي خرجت فيه الرواية

تأتي هذه الرواية في إطار رؤية واقعية لما كان يحدث في الوطن العربي في الأربعينيات، والخمسينيات من القرن العشرين حين كان معظم أرجاء الوطن العربي محتلًا، وقام اليهود بالاستيلاء على فلسطين، فكانت هذه الرواية صيحة يحاول بها الكاتب إيقاظ الوعي العربي لخطورة ما يحدث وتطورات الأحداث في فلسطين؛ فكانت هذه الرواية لتذكير الذهن العربي بحلم الأندلس الضائع، وأنه إذا لم ينتبه العرب لما يحدث في فلسطين فسوف تضيع كما ضاعت بلاد الأندلس من قبل.

كانت هذه الرواية هي آخر ما كتب علي الجارم؛ لذلك مثلت هذه الرواية قمة إبداعه الأدبي ووعيه السياسي، فقد عكست هذه الرواية، رغم حداثة وجودها النسبي، صورة الأندلس الحلم المفتقد، فقد استلهمت تاريخها أحداثها في كثير من الأعمال الروائية من أهمها:

  • روايات جرجي زيدان «فتح الأندلس» و«شارل وعبد الرحمن».
  • رواية علي أدهم «صقر قريش».
  • رواية عبد الحميد جودة السحار «أميرة قرطبة».

ومعنى هذا أن الروائيين لم يكفوا عن استلهام صورة الأندلس طوال قرن من الزمان هو عمر الرواية العربية الحديثة، وهذا يدل على مدى يقظة صورة الأندلس في الوجدان العربي، وقوة تأثيرها في مجال الإبداع، بغض النظر عن كون هذه الصورة تشكل حلمًا ذهبيًّا أو كابوسًا مرعبًا.

سنتطرق في البداية إلى تحليل الرمز الدارج في الرواية، وهي الكلمات التي عنون بها علي الجارم روايته وهي «هاتف من الأندلس» فلماذا اختار المؤلف هذه الكلمة «هاتف» ليعنون بها الرواية؟ فكلمة هاتف تأتي من الفعل «هتف» أي بمعنى التنبيه وجذب الوعي لشيء ما، ولنبحث في دلالة هذه الكلمة، فنجد أن الكاتب قد استخدم هذه الكلمة لشحذ وعي الأمة واستنهاضها لخطورة ما يحدث على أرض الواقع، من تشرذم وتشتت لرقعة العرب وكلمتهم؛ ولذلك فمقصود المؤلف هو إيقاظ الأمة العربية والإسلامية من كبوة الاستعمار، والسبيل إلى ذلك هو تذكيرها بماضي الأندلس وما حدث للعرب هناك بعد تشتتهم وتفرقهم، إذ كان مآلهم هو الهزيمة والخزي وطردهم من الأندلس، واختفاء نسلهم من هناك إلى الأبد.

فمن قال إن الإنسان يحيا حاضره فقط؟ أليس الحاضر من الماضي؟ ومن هذا المنطلق يسترجع علي الجارم ماضي حضارة المسلمين في الأندلس فوق أرضية روائية يصبغ عليها الطابع السياسي ويسقطه على حاضر العرب.

ويصور الجارم ابن زيدون الباحث عن وحدة الأندلس متيمًا بحب ولادة بنت المستكفي آخر الخلفاء الأمويين في الأندلس، فابن زيدون أصبح له حبين أو حلمين؛ حلم توحيد الأندلس وجمع شمل العرب، وحلم الزواج من ولادة بنت المستكفي، فالرواية تسير أحداثها في خطين متوازيين، الأول يصور طموح ابن زيدون السياسي وحلمه لأن يتقلد أعلى المناصب السياسية في قرطبة؛ لتنفيذ مشروعه القومي، إذا جاز التعبير، والخط الثاني تسير أحداثه عن قصة حبه لولادة بنت المستكفي، وهي تستثمر حبه لها في تحفيزه وتشجعه لأن يواصل مشواره الطموح في توحيد الأندلس، وإعادتها لسابق عهدها أيام آبائها وأجدادها الخلفاء من بني أمية.

فشخصية ابن زيدون في هذه الرواية لو أردنا له شبيهًا في العصر الحديث، لانطبق عليه تقسيم المفكر الإيطالي «جرامشى» في تقسيم المفكرين إلى مثقف عضوي ومثقف عدمي، فابن زيدون هو ذلك المثقف والمفكر العضوي الذي يحس بما تأن به بلاده ومجتمعه من علل.

«إن عرب الأندلس لن يعودوا إلى مجدهم، حتي تعود إليهم وحدتهم، وتتآلف قلوبهم، ثم زفر زفرة طويلة، وقال: لقد ضاعت الأندلس وتبدد بها ملك كان بهجة الدنيا وزينة الدهور، وانفصمت تلك العروة العربية التي جمعت الآراء على رأي واحد، وجعلت من الزنود المفتولة زندًا، ومن السيوف الصارمة سيفًا، فأصبح العرب بعد انحلالهم في هذه الجزيرة النائية بددًا، كالشياه فتك الذئاب برعاتها، فهامت في بيداء الخوف والجوع لا تسكن إلى ظل، ولا تأوي إلى سياج».

ونظرا لأن آمال بطل الرواية لم تتحقق في المجال السياسي، إذ عجز عن تحقيق الوحدة وإصلاح الحكم في قرطبة وإشبيلية، فإن المؤلف يقرن هذا الفشل بإخفاق البطل أيضًا في مجال العاطفة والحب، لذلك يدخل السجن بعد الوشاية به عند ابن جهور، ثم يهرب من بلاده قرطبة إلى إشبيلية، ومعنى هذا أن المؤلف كان على قدر من الوعي والصدق، حين ربط بين الفشل في الحلم الجماعي (وحدة الأندلس)، والحلم الفردي (الزواج من ولادة). وكان ضياع هذه الأحلام مؤذنًا بموت الشخصية ونهاية الرواية. ومن ثم يموت ابن زيدون شهيد الوحدة القومية، والحب النبيل، إذ لم يتمكن من لقاء ولادة بنت المستكفي إلا بعد «أن فات الفوت، وذهبت بشبابه السنون، ولوت قناته الأيام، ونيفت سنه على الثامنة والستين، فكان كالمتمني أن يري فلقًا من الصباح فلما رآه عمي».

هكذا يموت البطل مسلمًا بعجزه في نهاية الرواية بعد أن ضاعت أحلامه وهو يقول:

ألم يأن أن يبكي الغمام على مثلي … ويطلب ثأري البرق منصلت النصل
وهلا أقامت أنجم الليل مأتمًا … لتندب في الآفاق ما ضاع من فضلي

الرواية.. والتاريخ

من المعروف أن الرواية التاريخية تتشكل من بنية معقدة، تمزج بين الأيديولوجيا والفن، لأن التاريخ حين يصبح مادة للرواية يصير بعثًا للماضي ويوثق علاقتنا به، ويربط هذا الماضي بالحاضر في رؤية فنية شاملة وهذا يظهر واضحًا من خلال بنية وتشكل هذه الرواية من خلال استلهام فترة تاريخية من تاريخ الحضارة العربية والإسلامية في الأندلس، والمزج بين هذه الفترة وما يحدث في الواقع من مجريات تكون كبيرة الشبه بهذه الفترة التاريخية، وربما من خلال فهم هذه الفترة التاريخية فهمًا جيدًا نستطيع التعرف والتنبؤ بما يحدث في الواقع المعاصر، كما كان يرى ابن خلدون بأن الأحداث التاريخية هي في طبيعتها متشابهة، والاختلاف الثانوي يكون في شخوص الحدث ومكانه، وأننا لو استطعنا أن نفهم ما جرى في الماضي نستطيع إلى حد كبير التعرف على الحاضر، ومن هنا كان الجارم من خلال استلهامه لهذه الفترة من تاريخ الأندلس وهي «عصر ملوك الطوائف» يرى أن هذه الفترة دالة ومعبرة بشكل كبير عن الواقع العربي المتشرذم في مطلع ومنتصف القرن العشرين.

في قراءة لكتابات المفكر التونسي «أبو يعرب المرزوقي» ذكر أن التاريخ لا يقسم فقط إلى ماض وحاضر ومستقبل، وإنما له تقسيم آخر، فيرى أن الماضي هو عبارة عن «حدث وحديث» والمستقبل هو «حديث ينتظره حدث» والواقع الحاضر هو حدث ينتظره حديث في المستقبل، ومن هنا وبالتطبيق على رؤية هذه الرواية، فهي تستلهم ما حدث في الماضي في عصر ملوك الطوائف من خلال تأويله بطريقة روائية؛ ليكون خير معبر عما يحدث في حاضر العرب والمسلمين، وتحذير العرب من خلال حدث الماضي في الأندلس في عصر ملوك الطوائف من المستقبل الذي ينتظرهم، إذا بقوا في غفلتهم ولم يتحدوا ولم يتحرروا من براثن الجهل، والفرقة، والاستعمار.

من خلال سياق الرواية ورؤيتها وما عبرت عنه من خلال سياق الأحداث، والرؤية التي كان المؤلف يتبناها نجد أن الواقع العربي المعاصر يكاد يكون وجهًا آخر لما كان عليه الحال في الأندلس، في الحقيقة دلالة الرواية ورؤيتها معبرة بشكل كبير عن واقعنا العربي المعاصر، فالرواية لو أعطيناها اسمًا آخر غير اسمها لسميناها «هاتف من ماضي الأندلس إلى حاضر العرب»، أن انتبهوا وخذوا العبرة مما حدث للعرب في الأندلس بعد فرقتهم وتحالفهم بعضهم ضد بعض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد