قبل أن تضع الحرب العالمية الثانية أوزارها، اجتمع الكبار، ونقصد بهم قادة دول «الحلفاء» بنهاية العام 1942، بعد أن انقلبت دفة الحرب لصالحهم، وتبيّن لهم أن النصر أضحى حليفًا لهم وأقرب إليهم من حبل الوريد، فاجتمعوا لوضع نظام جديد لإدارة العالم، نظام يمنع -حسب زعمهم وترويجهم- نشوب حروب عالمية جديدة، بينما هو في حقيقته نظام وضعه المنتصرون لإدارة دفة الأمور والهيمنة وتوزيع الغنائم وثروات العالم.

فكان الوجود وكانت النشأة «لمنظمة الأمم المتحدة» في الرابع والعشرين من أكتوبر سنة 1945, باجتماع شهير عُقد بمدنية «سان فرانسيسكو» الأمريكية، فظهرت لنا المنظمة التي نعرفها الآن ببنيتها التنظيمية الحالية وبعوارها القانوني الدولي وبمشكلاتها التي بدأت معها وتزيد رقعتها يوما بعد يوم.

المؤكد أنه من الصعوبة بمكان على المرء أن يقيّم قرارًا تاريخيًّا ينتسب للماضي، بمعايير ومتغيرات تتعلق بالحاضر.

المعلوم أن نشأة عصبة الأمم (في الفترة ما بين 1919 حتى انهيارها فعليا بقيام الحرب العالمية الثانية), كان بغرض حفظ الأمن والسلم الدوليين، لكن فعليا لم يمنع وجود هذه المنظمة «عصبة الأمم» (والتي قامت وتأسست أيضا على أيدي المنتصرين في الحرب العالمية الأولى، بهدف منع قيام حروب عالمية كبيرة)، في قيام الحرب العالمية الثانية بكل ما خلّفته من مآسي وكوارث ودمار إنساني وجغرافي واسع النطاق.

لذا تظل التساؤلات قائمة، كيف لم يتم مراجعة نظام الأمم المتحدة حتى الآن؟ ولماذا يخضع العالم برمتّه حتى الآن لنظام صاغه الحلفاء بعد مرور ما يزيد على سبعين عاما؟ وكيف تتحمل بلدان العالم والأجيال الحالية واللاحقة لفاتورة حرب نشبت وانتهت بين حلفاء أو أعداء الأمس؟ لعل الإجابة على السؤالين السابقين، رهن بسؤال جوهري آخر.. هل حقق نظام الأمم المتحدة الغاية من وجوده ونشأته؟ بمعنى آخر هل نزع فتيل الأزمات السياسية ومنع نشوب الحروب بين دول العالم خلال فترة وجوده؟

وهل رسّخت «الأمم المتحدة» للسلام العالمي كما روّج وهللّ القائمون على إنشائه؟

الإجابة على ما سبق يرتبط بالقراءة المتأنية لما ورد بديباجة ميثاق الأمم المتحدة سن 1945، على النحو التالي:

نحن شعوب الأمم المتحدة وقد آلينا على أنفسنا

  • أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب، التي في خلال جيل واحد جلبت على الإنسانية مرتين أحزانًا يعجز عنها الوصف.
  • وأن نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان، وبكرامة الفرد وقدره، وبما للرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية.
  • وأن نبيّن الأحوال التي يمكن في ظلها تحقيق العدالة واحترام الالتزامات الناشئة عن المعاهدات وغيرها من مصادر القانون الدولي.
  • وأن ندفع بالرقي الاجتماعي قدمًا، وأن نرفع مستوى الحياة في جو من الحرية أفسح.

وفي سبيل هذه الغايات اعتزمنا

  • أن نأخذ أنفسنا بالتسامح، وأن نعيش معًا في سلام وحسن جوار.
  • وأن نضم قوانا كي نحتفظ بالسلم والأمن الدولي.
  • وأن نكفل بقبولنا مبادئ معيّنة ورسم الخطط اللازمة لها، ألاّ تستخدم القوة المسلحة في غير المصلحة المشتركة.
  • وأن نستخدم الأداة الدولية في ترقية الشؤون الاقتصادية والاجتماعية للشعوب جميعها.

وقد قرّرنا أن نوحّد جهودنا لتحقيق هذه الأغراض.

ولهذا فإن حكوماتنا المختلفة على يد مندوبيها المجتمعين في مدينة سان فرانسيسكو، الذين قدّموا وثائق التفويض المستوفاة للشروط، قد ارتضت ميثاق الأمم المتحدة هذا، وأنشأت بمقتضاه هيئة دولية تُسمّى «الأمم المتحدة.«

لكن تبيّن لنا أن حماسة اللهجة الخطابية الواردة بالديباجة لم تتعدَّ فعلا الورق المطبوع والمحفوظ بأرشيف المنظمة، نعرف أن العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية, قد انقسم على نفسه بين معسكرين للشرق والغرب، ودارت رحى حروب باردة، وأخرى دموية بكل مكان بالعالم. بصورة تنقض ما روّج له صُنّاع هذه المنظمة ومؤسسوها، وبصورة تدعو لإعادة النظر في نظام يحكم العالم ظاهريًّا، لكنه ظل ولا يزال يحقق هيمنة وسيطرة للقوى العظمي على مقدّرات العالم أجمع، ولا يزال سببًا رئيسيًّا في نشوب النزاعات والصراعات السياسية والعسكرية. لذا لا نغالي في القول أن هذا النظام «الأمم المتحدة» أشبه بمسّكن قوي يتلاشى مفعوله بمرور الوقت، لدرجة تدفع الطبيب لزيادة الجرعة. نظام يسّكن أو يخفّف الألم ولا يعالج المرض. فعليا بدأت مرحلة انهيار «منظمة الأمم المتحدة» بنشوب الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، ثم جرت عمليات ترميم وتجميل للإبقاء على حياته، ولعلها فترة قد تطول أو تقصُر لكن الانهيار الكامل للمنظومة سيقع بين لحظة وأخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد