بعد مضيّ ثمانية وسبعين عامًا على رقود جثمان «قسطنطين كفافيس» في مقابر اليونان بالأسكندرية، وبالتحديد في نهايات ديسمبر (كانون الثاني) 2011  أتذكر حديثًا دار مع بعض الأصدقاء عقب سهرة لنا في الموقع القديم للنادي اليوناني بالأزاريطة، حول الوحدة وأثرها في تكوين وعي الكاتب، كنت أعتقد أن الذين يكتبون يعرفون حقًا أن للكتابة حاجة دائمة للوحدة، درعًا يصد عنهم سموم الحياة وأمراضها، لكنني لم أكن أعلم أن للوحدة وجهًا آخر وهو التمزق!  قبل أن نصل إلى تقاطع شارعي «فؤاد» و«النبي دانيال» قال أحد الأصدقاء وهو يشير تجاه اليمين:هذا الطريق يفضي إلى بيت كفافيس .. هنا عاشت وماتت مأساة تشهبنا جميعًا.

خلفت كلمته الانطباعات في وعيي، ظللت طوال الوقت لا أستطيع أن أرى في شعر كفافيس إلا جوهرًا لمأساة وحدة مشحونة بطاقة هائلة من الخيال، خيال قادر على مداعبة ذكريات وتحويل معاني ودلالات القصائد إلى ترجمة صادقة لانكسارات وخيبات أمل أو ربما خيبات أملي أنا على الأقل!

نوافذ كفافيس!

المقبل علي قراءة شعر قسطنطين كفافيس ينتابه شعوران متناقضان، فثمة ما يجعل شعره موسيقى روحية ذات معنى إنساني شامل، وثمة ما يجعله شعرًا شهوانيًا غارقًا في الذاتية ومحاصرًا من كل جانب بالرمزية وتعقيداتها، وعلى أساس هذا التناقض فتح الباب لعدد من الدراسات التي حاولت أن ترسم صورة كاملة لعطاء كفافيس الشعري، إلا أن معظم هذه الدراسات لم تحاول أن تلتحم الحتامًا وثيقًا بمدينة الأسكندرية، المدينة التي عاش ومات بها كفافيس حتى لقب بشاعرها، كما أن تلك الدراسات ابتعدت قدر الإمكان من أن تشابك مع حياته الخاصة لأسباب مختلفة، لذا جاءت معظم القراءات الشعرية لنصوص كفافيس مبتورة أحيانًا وأحيانًا أخرى غير مفهومة.

وربما لو تمعنا جيدًا في حياة كفافيس وفي طبيعة شعره سنجد أن مسألة الترابط الروحي والشهواني في نتاجه الشعري هو نتيجة طبيعية لحياة العزلة التي فرضها شخص في تفرده علي نفسه، ففي جنبات منزله الكامن في 4 شارع «ليبسيوس» تستطيع أن تلمس حدود عالم كفافيس، فالكون محدود وحافته غير بعيدة والأسوار تغلف العزلة، والضوء خفيض، كان كفافيس يغوص في أعماق مأساته الذاتية، تجرفه مغريات الحياة وشهواتها بغير هوادة حتى تلقي به وحيدًا في تلك الغرفة المظلمة، ففي أواخر حياته زارت شاعرة يونانية الأسكندرية.

وعندما سألت عن داره قيل لها إنه لا يحب الاختلاط بالناس، لكنها أصرت علي زيارته وعندما ولجت داخل حجرته  لاحظت فقر الإضاءة، بالرغم من ثراء البيت وفخامته فتقول: كان يحب الضوء خافتًا – ضوء شمعة أو مصباح غازي – ولا يستخدم الكهرباء، بدأ لها كفافيس كشبح نحيل يكسوه الحزن والجاذبية في آن واحد حتى خُيل إليها أن كل ما حدث كان مجرد حلم ولى!

كيف لشاعر أن يكره النور؟ ذلك بيت قصيد حياة كفافيس وأصل مأساته، أنه في داخله يتمنى أن تنفتح نوافذ عدة في تلك الغرف المغلقة التي يحيا فيها بمفرده أيامًا ثقيلة، نوافذ تأخذ بيديه إلى عالم العزاء، لكن النوافذ لا أثر لها، أو ربما هو غير قادر على إيجادها!

هذا ما صاغه كفافيس في قصيدته الشهيرة «النوافذ» والتي ختمها بنتيجة تبرر تلك العتمة التي تغلف حياته قائلًا، ربما كان النور عذابًا جديدًا .. من يدري كم من أشياء جديدة ستظهر؟[1] إن الضوء في وعي كفافيس ما هو إلا صورة للمستقبل المجهول ومدام المستقبل غير معلوم فلا حاجة له به، فنوافذ الماضي عديدة وقادرة على أن تعبر به ظلمات ليله الإنساني،  لذلك  لم يرفض كفافيس الحياة كليًا، بل بالعكس تماهى معها وحاول قدر الإمكان أن يجد هدفًا لها، لكنه كان يخشى القادم بكل ما فيه ففي قصيدته «رجل عجوز»[2] يتصور كفافيس نفسه كرجل عجوز يجلس في مقهى وحيدًا بلا رفيق، يطوف الماضي في عقله فيتحسر علي ما فاته من فرح وشهوات، وفي النهاية ومن فرط ما تذكر ثقلت رأسه ونام غير مكترث برماد الماضي وثقل الحاضر!

 

أسوار الذات أم أسوار المدينة؟!

إن خطوط الحزن والحسرة التي حفلت بها قصائد كفافيس لم تظهر في مرحلة متأخرة في حياته كرد فعل علي خيبات أمل وإخفاقات، بل إن لهذه الخطوط امتدادات تضرب في عمق تاريخ عطائه الشعري، حتى أنه أضحى من الصعب أن نجد قصيدة واحدة قد فلتت من براثن حزنه ووحدته، فقد حفلت الصياغات الباكرة لقصائده، والتي كتبت ما بين عامي (1886 – 1911 ) بدلالات كبرى على إستيعاب كفافيس بحدود مأساته منذ شبابه، كما جاء في قصيدة «أسوار» فكفافيس كان يتخيل أن العالم قد شيد أسوارًا تفصله عن روح الحياة حتي صار سجينًا خلف تلك الأسوار يمزقه اليأس والتفكير، فيقول في قصيدة أسوار، بلا تحفظ، بلا حسرة، بنوا حولي أسوارًا ضخمة عالية، وها أنا أجلس الآن في يأس، لا أفكر في شيء آخر، ولو أن عقلي يمزقه ما حدث، لأن عليّ أن أقوم بالعديد من الأشياء بالخارج، آه كيف لم أنتبه وهم يبنون الأسوار؟ لكني لم أسمع جلبة بنائين ولا صوتًا قط، لقد عزلوني عن العالم الخارجي، دون أن أشعر أن روحه القلقة والباحثة دائمًا عن ملاذ أدركت في تلك المرحلة من حياته أنه عُزل عن العالم عنوة ليصبح سجين خوفه وغربته وميوله الجنسية المضطربة، ولتصبغ روح شبابه بروح العجائز[3] الحزينة الضجرة بالحياة التي تحياها، فالدنيا تكرر في عينه في صورة غريبة لا يستطيع أن يوقفها والثواني تمر وتجر في ذيلها شهرًا كاملًا، وأحداث الأمس تصير منهجًا ثابتًا.

وهو ما عبر عنه في قصيدة «ملل» التي جاء باطنها يتشابك بالكلية مع قصائد ( النوافذ- أسوار- المدينة) خصوصًا بعدما صارت الأخيرة واحدة من أغنى قصائد كفافيس وأبعدها دلالة في فهم وعيه وطبيعة وحدته، فمحاولات الهروب من الزمن وأسوار الذات في قصيدة «المدينة» ما هي إلا صرخة أخيرة بعدما اكتشف أنه محاصر بين أسوار المكان أيضًا، فقلبه دفن على مشارف المدينة وأطبقت أسوارها عليه وصار لا سبيل له لبعث أو نجاة! لذلك يمكن أن نفهم  الدلالة الكبرى التي تقدمها قصيدة المدينة على أنها  توحد نفسي بين كفافيس وعالمه المحيط به والمتمثل في مدينة الأسكندرية، فالمدينة تظهر كوحدة معنوية متشابكة بالكلية مع روح كفافيس وعقله، أي أن المدينة هي ذاتها ذاته المغقلة!

إن الشيء المتقين في منهج كفافيس الشعري أنه اعتمد على مأساته الذاتية في تأسيس عوالمه الشعرية، حتى أن قصائده التاريخية يمكن قراءتها بعين الحقائق الإنسانية التي تكتظ بمآسي الأبطال المهزومين، فالحقيقة عند كفافيس لا تزول وإن زال الحدث، وجوهر التاريخ لا يمكن فصله عن جوهر الذات، فأشخاص كفافيس من لحم ودم، تحركهم نصف القدرات، وتدفعهم مرارة النهايات، ولاشك أن كفافيس كان يكسي أبطاله بروحه، أو ربما يختار من التاريخ من يلمس فيه الظلمة والوحدة تمامًا كما عاش هو في ظلمة ووحدة!

 

[1] قصيدة النوافذ / قصائد من كفافيس – دراسة وترجمة نعيم  عطية – المركز القومي للترجمة 2009

[2] كتبت هذه القصيدة قبل عام  1911 أي فترة شباب كفافيس ( 1863 – 1933)

[3] قصيدة أرواح العجائز كتبت ما بين عامي 1896 و 1898 أي أن كفافيس كان في الثلاثين من عمره

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد