تعلمنا الصبر منذ الصغر من أهالينا الذين احترفوا العيش في الظل، والمشي بجوار الحائط من أجل لقمة العيش وتربية الأولاد، والبعد عن البطش الأمني لكل من يعترض أو يفكر في الاعتراض على النظام الحاكم.

كثيرًا ما نصحك والدك بالابتعاد عن السياسة، وعدم انتقاد الرئيس، وكأنه شخصية مقدسة لا يصح أن نناقش تصرفاته وسياساته حتى لو كانت خاطئة أو سيئة أو مستبدة، وطالبك بالصبر حتى تنصلح الأمور من تلقاء نفسها.

 

كان كل هدفه أن أكمل تعليمي في الجامعة، وأعمل في شركة جيدة، وأتقاضى مرتبًا كبيرًا، لكي أكمل المشوار الطويل في العيش في الظل، والمشي بجوار الحائط، وتربية أولادي، لكي يكملوا المشوار الطويل الذي لن ينتهي من اللامبالاة وتحاشي الصدام مع الحكومة.

 

كان ثوريًا في شبابه، وكان يطالب بالمساواة بين المصريين ووقف نهب ثرواتهم وتوزيعها على العصابة الحاكمة، تفاعل مع مجلس الثورة، وانضم للتنظيم الاشتراكي، وشارك في مقاومة العدوان الثلاثي، وتجرع مرارة هزيمة النكسة، فاكتشف أن العصابة الحاكمة تغيرت ليس إلا، وقرر أن يبتعد ويختفي ليسعى من أجل توفير الحياة الكريمة لأسرته وأولاده، ثم تم التنكيل به عندما تغير الزعيم وقرر أن يتخلص من مؤيدين من قبله، فازداد خوفه ورغبته أن يعيش في الظل ويحمي أولاده من انكسار حلمهم والتنكيل بهم كما حدث له.

 

إنه والدك ووالدي وكثير من آباء جيلنا الذين طالبونا كثيرًا بالابتعاد عن السياسة والمواجهة، ومحاولة إصلاح النظام الفاسد المستبد الذي يدير البلاد، وأن نركز على مستقبلنا، وأن نصبر ونستمر في الصبر حتى تنصلح الأوضاع.

بعض منا لم يستجب لهذه الطلبات ولم يستطع أن يتحمل الصبر وينتظر حتى يطاله الظلم والتنكيل، وتحرك مع مجموعات من الشباب في محاولة للتغيير وتحسين الأوضاع المتدنية، وتشكلت الكتلة الحرجة التي هزت أركان نظام حكم فاسد مستبد بعد عقود من الخوف، وأجيال عاشت بجوار الحائط في صبر مهين.

خرجنا نطالب بالعيش والحرية والعدالة والكرامة، والتف حولنا ملايين هزت عرش الاستبداد وأربكت حسابات النظام الذي لم يكن أمامه إلا التضحية برئيسه ومجاراة طلبات الثائرين المتحدين على هدف واحد وطريق واحد. عمل النظام بشكل كبير على التقسيم والتفريق بيننا حتى يستطيع إعادة بناء عرشه مرة أخرى، والحفاظ على مصالحه الاقتصادية. وبعد مراحل متعددة متوالية استتبت الأمور له مرة أخرى، وعادت لما كانت عليه، وأحكم سيطرته مرة أخرى بشكل أقوى مما سبق.

مرت السنوات وتمت إعادة إنتاج الخوف والرعب مرة أخرى بنفس تكتيكات الماضي، ولكن بشكل جديد وبأدوات حديثة، وتحول العديد من الكتلة الحرجة إلى مسار آبائهم، وتواروا وتخفوا خوفًا من التنكيل، وبدأوا في ترديد كلام آبائهم بالابتعاد عن السياسة والصبر ثم الصبر ثم الصبر.

لكن هناك كتلة حرجة جديدة تربت في خلال السنوات الماضية لجيل سمع وشهد وعرف وتعلم أكثر وعددهم أكبر. هذه الكتلة الشابة عاصرت القتل، وعايشت القمع، وشهدت الكذب عيانًا بيانًا، وتعلمت من أخطاء من سبقوها ومن سبقوهم، ولن ترضى بالصبر بديلاً عن العدل، أو الخوف بديلاً عن الحق، ولن تمشي بجوار الحائط، بل ستهدمه وتتخطاه لتحقق الحلم الذي طال انتظاره، وصبر من أجله أجيال متعاقبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد