الحياة مزيج من السعادة والشقاء، وأن يتصور إنسان أنه وجد في هذه الحياة ليتنعم وينال كل ما يتمنى فهذا من قصور عقله، وقلة إدراكه وفهمه لطبيعة الحياة الدنيا، وعدم وعيه بتاريخ أسلافه، أو لعله تخيل أنه قد دخل الجنة واستتب له الأمر فلا نصب ولا وصب، ومن لم يعِ هذا تكفلت الأيام بتعليمه.

وكونها لا تخلو من الشقاء، ولا تصفو من الكدر؛ فهذا يقتضي بالضرورة تعلم الصبر والتدرب عليه وإتقانه، والتأهب النفسي لبعض من الحرمان، وقليل من التعب، فليس مَن تجهز للبلية كمن وافته على حين غِرة!

دعونا نبدأ من الأساس، الإنسان خلقه الله ليبتليه ويختبره في هذه الحياة، وبناءً على نتيجة هذا الاختبار يكون جزاؤه في الآخرة بعد الممات، فبديهي أن هذا الاختبار يكون باليسر مرة، وبالعسر مرة، بما يتمناه الإنسان مرة، وبما يخشاه مرة، وهكذا نعيش حياتنا نتعرض يوميًّا لمواقف شتى في ظل اختبارنا الذي جئنا لنؤديه في هذه الدنيا. إذن فالمصائب التي تواجهك هي أسئلة في ورقة امتحانك، وإن أول كلمة في الإجابة النموذجية عن أسئلة المصائب والمكروه هي «الصبر».

ولكي تتعلم الصبر لا بد لك من ثقة بالله ترتكن إليها عند عجزك عن تفسير ما يحدث لك، فإن كنت لا تعلم لماذا يحدث لك كل هذا فالله يعلم؛ بل هو سبحانه من قدره عليك، وهو ألطف بك من نفسك، ثم تدرك جيدًا أن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، فما دام سمح لهذه المصيبة أو هذا الأذى أن يمسك فلأنه سبحانه يعلم أنك تتحمله، وتستطيع الصبر عليه، ثم انظر وتفقد الناس من حولك؛ فستجد أن لكلٍّ مصيبته التي تشغله، فرؤية بلايا الناس تخفف عنك بلواك، ثم تعلم وتتبع سير الصابرين الذين واجهوا مصائبهم ببطولة وثبات وإيمان تحاكت به الأمم من عظمته، ثم سل نفسك: «ماذا لو لم أصبر؟ ما الذي سيتغير؟» سيظل كل شيء كما هو غير أني لو صبرت لاستطعت أن أتفادى مصيبتي، ولا أنشغل بها طويلًا، وأكمل حياتي بخير حال.

إنني حين أتكلم عن الصبر فإني أكلم الجميع؛ لأنه لا تخلو حياة أحدنا مما يستوجب الصبر، ولكنه لكلٍّ بمقدار حسب قدر ما يواجهه من الأذى والضيق، ولكلٍّ مجال يستوجب الصبر في وقت من الأوقات حسب حاله وما يواجهه من ظروف وتحديات ومعوقات.

الصبر هو في حقيقته أظهر علامات الإيمان بالله ولطفه، وهو أولى خطوات التعامل مع ما يصيبنا مما نكره؛ إذ إنه لو غاب لحل الجزع واليأس والاكتئاب، والإنسان في حالات كهذه يُفسد أكثر مما يصلح، ويتخبط ويتيه أكثر مما يتريث ويخطط ويدبر بروية وحكمة ليحقق ما يبغي، وينجو مما يكره، إنه لا يليق بنا الانكسار مع كل رياح تلفحنا بها تقلبات الدهر وأقدار الحياة.

إننا نجد آيات القرآن وأحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- وأقوال الحكماء أكثرت من ذكر الصبر وعاقبته الجميلة في الدنيا والآخرة، بما ينبهنا أن التواصي بالصبر ليس من نافلة القول ولا زيادته، وإنما هو مما يجب على كل صديق لصديقه، وكل مُربٍ لمن تحت يده؛ فالصابرون وحدهم هم الذي يظفرون ويحققون ما يتمنون، فإنه لا تخلو حياة ناجح في العلم، أو بارع في التجارة، أو قائد في الحياة العامة من صبرٍ جعلهم جميعًا يتحملون ولا يستسلمون لبعض الأذى الذي أصابهم في أنفسهم أو أموالهم أو ذويهم.

فإلى كل إنسان يحيا على هذه الأرض: اصبر، وتمسك بالصبر، وتمرسه جيدًا حتى لا يفوتك الكثير من حياتك بينما أنت لاهٍ في يأسك وكآبتك لا تفعل شيئًا، اصبر على ما يصيبك حتى تستطيع أن تفيد بأي فائدة ممكنة في مصابك، وحتى تستطيع أن تكمل حياتك دون أن يأخذ هذا المصاب أكبر من حجمه الطبيعي؛ فينغص معيشتك، ويشغلك عن أي إيجابيات حولك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد