اقتحم الشيخ سلمان العودة قلوب الملايين من المسلمين وفي القلب منهم الشباب، بكلماته الصادقة، وضميره الحي، وبحثه عن الحقيقة، ومخاطبة الآخرين بأسلوب شائق يثري عقولهم، ويملأ أفئدتهم بالإيمان، وسوف أترككم الآن مع جزء من حديثه الماتع للشباب تحت وسم #نعم_أتغيَّر

«دائمًا أردد (اهدنا الصراط المستقيم) ولذلك لماذا لا أتغير؟ التغير هو التعلم الذي يساعد على مواكبة الجديد، على الانتقال من التبعية والتقليد إلى الاستقلال والاجتهاد والاستجابة للفطرة، حيث الكون كله يتغير، الدين بطبيعة الحال ثابت، لكن الرأي البشري متجدد، هو الذي كان يقول، صلى الله عليه وسلم: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، هو نفسه كان يقول: اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك».

هكذا كان فهمه، هكذا كانت قناعته، هكذا كانت بوصلته، هكذا كان احتضانه لعموم المسلمين التائهين، وعلى رأسهم الشباب الذي يشق طريق الحياة رويدًا رويدًا مخافة السقوط والانكسار، هكذا كانت بصمات الداعية الصادق سلمان العودة، الذي يمتلئ صوته بالطمأنينة والسكينة، ويبعث فيك روح الشغف والطموح؛ للتعرف إلى الحياة بشكل صحيح، والقرب من الخالق بفهم سديد؛ ولذلك دعونا ننطلق في رحلة قصيرة وجولة سريعة لنتعرف في الأسطر القادمة إلى شخصية هذا الداعية عن قرب لندرك حجم القيمة والقامة التي حُرمنا منها.

رحلته العلميَّة والمهنيَّة:

التحق بجامعة الإمام محمد بن سعود في القصيم، حيث نال شهادة بكالوريوس في الشريعة، وحصل على الماجستير من قسم السُّنَّة وعلومها في كلية أصول الدين عن موضوع «أحاديث الغربة»، وفي عام 2004 نال العودة شهادة الدكتوراه في الشريعة من جامعة الإمام محمد بن سعود، عن بحث من أربع مجلدات حول جزء الطهارة من كتاب «بلوغ المرام»، وأُحيط البحث بزخم علمي حيث شارك في مناقشته علماء بارزون من أمثال عبد الله بن جبرين، وعبد الله بن بيه، وخلدون الأحدب.

بدأ سلمان العودة حياته العملية مدرسًا للمعهد العلمي ببريدة، وعمل معيدًا ثم أستاذًا بجامعة الإمام محمد بن سعود في القصيم حتى أُقيل منها عام 1994 بسبب مواقفه السياسية.

مواقفه في فترة الصحوة:

برز اسم سلمان العودة في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين كأحد أهم رموز الصحوة الإسلامية، فكانت مواقفه على النحو التالي:

انتقد في عام 1991 بشدة تعاون السعودية مع الولايات المتحدة في حرب الخليج الثانية، وتولى حينها جمع توقيعات العلماء على بيان يرفض أن تطأ أقدام الجنود الأجانب أرض الجزيرة العربية، ونادى بذلك في إحدى خطبه؛ مما تسبب في استدعائه للتحقيق أكثر من مرة.

وفي يونيو (حزيران) 1992 كان العودة واحدًا من بين الموقعين على «مذكرة النصيحة» التي وجهها علماء وأساتذة جامعات للملك الراحل فهد بن عبد العزيز، وتضمنت المطالبة بإصلاحات قانونية وإدارية واجتماعية وإعلامية في الإطار الشرعي الإسلامي.

وفي سبتمبر (أيلول) 1993 مُنع العودة من إلقاء الخطب والمحاضرات العامة، ثم أُودع السجن في أغسطس (آب) 1994 فقضى فيه خمس سنوات دون محاكمة.

دعوته إلى الوسطية:

قبل الإفراج عنه في أبريل (نيسان) 1999 راجع العودة أفكاره على أيدي عدد كبير من العلماء حاوروه داخل السجن، وبعد خروجه منه طور العودة خطاباته، وظهر ذلك بوضوح في تلك الآونة، وفي مرحلة ما بعد السجن باتت الدعوة إلى «الوسطية الإسلامية» تحتل حيزًا مهمًّا في خطبه ومحاضراته حتى صار يُنظر إليه بوصفه أحد أهم رموزها، وقد عبَّر أكثر من مرة عن رفضه للتطرف والغلو، ومعارضته لتيارات العنف في العالمين العربي والإسلامي.

خمس سنوات من الاعتكاف عزلته عن تأثير الجموع، ومنحته الحرية ونقلته من الضيق إلى السعة، ومن الانكفاء عن الحياة إلى رؤية وقراءة الجانب الإيجابي للآخرين، وكان أغلى شيء بالنسبة له هو الحرية – التي لا يريد أن يصادرها حاكم أو تابع – وأعظم ثوابته إيمانه الراسخ العميق بالله عزَّ وجل، وحبه له وحسن ظنه به.

موقفه من الربيع العربي:

وقف العودة مع التغيير في أحداث «الربيع العربي» وأيَّد الشعوب في حراكها السلمي، مما ترتب عليه حرمانه من المنابر التي كان يخاطب من خلالها جمهوره، ومُنع من السفر إلى الخارج.

مناصبه الدعوية:

تولى العودة عدة مسؤوليات دعوية فهو نائب رئيس منظمة النصرة العالمية، وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، كما أنه عضو بمجلس الإفتاء الأوروبي، إلى جانب أدواره في عدد من الجمعيات والمؤسسات العلمية والخيرية بالعالم الإسلامي، وأسس عام 2000 مجموعة «الإسلام اليوم»، والتي أشرف عليها مدة 10 سنوات كاملة، وجرى تصنيفه من بين 200 شخصية أكثر تأثيرًا في العالم، حيث دخل بيوت الشعوب العربية والإسلامية بمختلف شرائحها من خلال الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي.

مؤلفاته الدعوية والعلمية:

فقد ألَّف الشيخ سلمان العودة ما يزيد على 60 كتابًا، حول العديد من المسائل والقضايا الدعوية والعلمية والإيمانية، منها على سبيل المثال آخر مؤلفاته:

أطفال في حجر الرسول، لماذا نخاف من النقد؟، الفيلسوف الرباني، التفسير النبوي للقرآن، سلطان العلماء، الغرباء الأولون، هموم فتاة ملتزمة، مع الله، بناتي، شكرًا أيها الأعداء، طفولة قلب، مع الصيام، ولا يزالون مختلفين، لو كنتُ طيرًا، أسئلة الثورة، كيف نختلف؟، حوار هادئ مع الغزالي، أنا وأخواتها، زنزانة، وعلمني أبي.

يقول سلمان العودة في كتابه «طفولة قلب»، الذي نسج فيه سيرته الذاتية وحكى فيه جزءًا من حياته في السجن: «كنا نقرأ في اليوم الواحد إلى ما يقارب 16 ساعة، واحد يقرأ والآخر يستعد للنوم، ويظل الآخر يقرأ حتى ينام صاحبه، وكان الخفير – السجَّان – يستأذن منا إذا رغب في الدخول لعلمه بأهمية الوقت بالنسبة إلينا، حفظت القرآن الكريم وصحيح مسلم، وقرأت كمًّا كبيرًا من الكتب بجميع المجالات».

جزء من معاناته في حبسه:

فقدَّ الشيخ سلمان العودة نصف سمعه وبصره مؤخرًا في سجنه، بسبب ما يعيشه داخل محبسه من تضييق يقارب الوهم والخيال وأحد فنون التعذيب، فهو يُحرم من العلاج ومن النوم؛ وذلك بسبب تعرضه للتحقيق والمساءلة لأيام طوال؛ بغرض عدم الحصول على الوقت الكافي للراحة أو النوم، كما أنه كان يُقيد اليدين والرجلين داخل الزنزانة ويُغمض العينين، وكان يُعطى الطعام في أكياس صغيرة ثم تُرمى له وهو مقيد اليدين فيضطر لفتحها بفمه حتى تجرحت أسنانه في فترة من الفترات، وذلك حسب رواية ابنه الدكتور عبد الله.

لهذه الأسباب وغيرها يقبع الشيخ المغوار سلمان العودة في غيابات السجون حتى الآن؛ ليدفع ثمن مواقفه تجاه أمته، فما عُرف عنه غير السماحة والحكمة والتوجه إلى الله بالدعاء لتحقيق الألفة بين الشعوب الإسلامية وحكامهم – في وقت تباغضهم وتخاصمهم – فما حرَّض على قتل أو سرقة أو نهب، بل دعا عموم المسلمين إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة وباللين والرفق.

لماذا نحتاج سلمان العودة؟

الشيخ سلمان العودة كان أكثر الدعاة حضورًا وقبولًا في أوساط الشباب بشكل خاص، فقد جمع بين الأصالة والمعاصرة وبين الاحتواء والانفتاح المنضبط، حيث كان الصوت النابض لما يدور في أذهانهم، والمربي الموجه لهم وسط التيه الذي يتخبطون بين أركانه ليل نهار؛ لذلك نريد عودة خطابه الديني البسيط ذي الروح الشعبية، لتعود مسيرته إلى سابق عهدها شجرة طيبة مثمرة لأرواح عامرة بالإيمان مستنيرة بهدي القرآن والسنة قوامها الشباب الذي يريد نهضة أمته وعودة مجدها وعزتها؛ لتتوحد بذلك الجهود في بوتقة واحدة هدفها المنشود إعلاء راية الحق ونصرة المظلوم.

كما لا ننسى ما تعانيه أسرة الشيخ سلمان التي فقدت الأم وأحد الأشقاء، في حادث أليم، من مرارة وقسوة تغييب الأب الذي أصبح على عاتقه القيام بمهام الأب والأم والشقيق معًا تجاه أبنائه، فما ذنبه وما جرمه لكي يقبع خلف أربعة جدران وحيدًا منفردًا متألمًا متأوهًا صابرًا محتسبًا، رغم غزارة علمه وهدوء طبعه وسجية سلوكه وشجون صوته ووقار هيئته وطيب خصاله وحسن مقصده؟!

مما تعلمته من سلمان العودة:

التغيير أهم محطات الحياة المهمة التي يجب الانتباه إليها، وهو أمر يعزز محاسبة النفس على ما مضى للإجادة والإصابة فيما هو قادم، ويحضرني في هذا الموضع كلمات الشيخ سلمان الرقراقة العذبة كذاك الماء المنهمر من نهر جارف، حيث يقول:«نعم أتغير لأني لو كنت أقول وأنا في الأربعين ما كنت أردده في العشرين، فمعناه أن عشرين سنة من عمري ضاعت سدى».

في الختام تعجز الكلمات عن التعبير عن أحد دعاة وأعلام هذه الأمة، ممَنْ رزقهم الله حسن القبول وقوة الحجة ورجاحة العقل وحسن التصرف وطيب الأخلاق، فاللهم اربط على قلب عبدك سلمان العودة واكتب الفرج القريب له، واجعل من نصيب الأمة الإسلامية رؤية علمائها ودعاتها أحرارًا، لدينهم داعين ولأمتهم نافعين وعلى ثغورها مرابطين لحدود الله حافظين.

وها أنا اليوم أستعير جملتك الشهيرة منك «لم تنتهِ الحكاية.. غدًا تطير العصافير».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد