وفي أول ليلة من لياليك تنهدت شوقًا إلى ليلك إذا عسعس ولأنفاس صبحك المتصاعدة عبر النجوم والأقمار، تنهدت وكل تنهيدة تحكي حكاية قلب في بيت ما من بيوتات المسلمين، قلوب بكت منذ وداعك شوقا للقائك وها هي تسعد بلقائك مرة أخرى ولكن شاءت حكمة الله أن يكون لقاؤك متفردا هذا العام.

لقاء الأشواق الذي طال انتظاره، لقاء ليس فيه واسطة ليفهمك متلقيه وليس فيه مجاملات ولا سوء ظن، لقاء الله الفردي، فهذا العام سأسأله وحدي وسأشكو إليه وحدي وسأبكي بين يديه وحدي، جميلة هي أصوات المساجد ولكن صبر جميل، نعم هذا هو الصبر الذي يحبه الله، الصبر على الطاعات مع المكاره من أجل وأعظم العبادات، فتحت ظلال الصبر يهون كل صعب، قال تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}.

تحت أنوار الفوانيس ستقرأ آيات الرحمن علها تكون أصدق وأنقى وأعظم أثرا على النفس في هذا العام، ففي كل محنة منحة وفي كل تأخيرة خيره، فحتما في تأخر انجلاء هذا البلاء وبين طياته يكمن الخير الكثير، فعلى العاقل الفطن أن يفقه أبعاد الأحداث وأن يغوص في بواطن الحكم ويستقي منها ما يشحذ همته نحو المعالي، وأن يدير دفة شراعه عكس مهب الريح ويبحث عن هدوء العاصفة ويستقر بين جوانبها إلى أن تزول.

رمضان السنوات المنصرمة كان رمضان الفوانيس والزينة والزيارات والعزائم ولكن رمضان هذا العام سيكون رمضان الروحانيات والتدبر ومراجعة الذات ومحاسبتها ففي ظل البلاء على العاقل أن يستقرئ بين طيات الأحداث رسائل المولى الصامتة في ذاتها الناطقة بأحداثها؛ أن هلموا إلي فأنا الرحمن الرحيم وأن استفيقوا لعظمة الحكمة من وجود رمضان فهي أسمى من الإمتناع عن كل طعام وشراب، فليست غاية المنى منها زيارة المساجد، بل هي وقود للحياة نستملئه بقربات إلى الخالق يظل معنا على مدار العام.

ومع ظل جائحة كورونا وهذا البلاء العظيم كانت محاسبة النفس أزكى والبعد بها عن دركات التهلكة أولى.

يقول النعمان بن بشير الأنصاري رضي الله عنه «إن الهلكة كل الهلكة أن تعمل السيئات في زمان البلاء»

العقوبات لإبن أبي الدنيا (327).

ومن أبواب الصبر وسبل شحذ الهمم، استعادة الأحداث الماضية والمشابهه من التاريخ ومراجعتها وأخذ العبر منها والإستعانة بها على فهم منهج الرسول عليه الصلاة والسلام والسلف والصالحين من بعدهم في التعامل مع مثل هذه الظروف والأحوال، وهناك الكثير من الكتب والمراجع التي تتحدث عن ذلك، أولاها كتاب الله بتفاسيره كتفسير «النبأ العظيم» ففي كتاب الله من القصص والعبر ما يستلهم منها أسس الصبر وجذوره ويلحقها سيرته عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ}.

ففي ظل مواعظ القرآن يأتي التثبيت، وتأتي معه اليقظه، هذه اليقظة التي تعتبر من نعم الله على عباده والتي لا يحظى بها الكثير، يقظة القلب والعقل معا وهي لا تتأتى إلا بالتقرب من الله حق التقرب ومعرفته حق المعرفة والصدق في الطلب والإلحاح بالدعاء.

صبر نفسك واصْطَبِر ففي الصبر والمصابرة تدريب للنفس على تحمل معاناة الحياة، فتحت ظلال الصبر محصت أقوام ابتداء بالأنبياء وانتهاء بِنَا، هذا هو قانون الله شئنا أم أبينا فلنستقبل مشيئة الله. بالرضا، لنستجلب الخير برضا الخالق ونستدفع الشر وسخطه سبحانه.

رمضان هذا العام هو فرصه حقيقية لإحياء السنن، فمن الجميل في ظل الحجر المنزلي أن نحتسب بضع ساعات تقضيها داخل منازلنا في الاعتكاف والخلوة مع الله، فالخلوة فيها تخلية للنفس وتصفية وتحلية، ففي تخليها عن كل شاغل تصفية لها وتجهيز لبلوغ مرتبة التحلية، فما أن ينتهي رمضان إلا ويجد المرء منا في روحة خفة لم يعهدها من قبل، والشواهد على ذلك كثيرة.

قرأت وشاهدت لبعض ممن اعتنقوا الإسلام، حكايات عن الخلوة وكيف أنهم كانوا يختلون بأنفسهم بعيدا عن ضوضاء الحياة ليدركوا ماهية مراد النفس، وكان من أعظم آثارها أنها تعتبر بمثابة الدليل المعين بعد اللجوء إلى الله في اتخاذهم قرارات مصيرية انتهت بدخولهم في الإسلام.

تحدث أحدهم عن تجربته في ممارسة الخلوة قائلًا: كنت قبل اعتناق الإسلام أختلس لحظات الفراغ فأهرب من كل شاغل واختلق الأعذار للأصدقاء كي أحظى بخلوة حقيقة أعيد فيها ترتيب نفسي وجمعها من شتات الضغوطات والحياة ولملمة ما بقي منها، فأنفض عن روحي غبار التعب عن روحي المنهكة فأنقيها إلى أن تنعش بعدها، ولكن ما أن حظيت بنعمة الإسلام وجدت معنى الخلوة الحقيقية وفضائلها على سائر الخلوات السابقة.

الخلوة والاعتكاف من أعظم ثمرات رمضان، فما بالنا إذا كان في وقت مثل هذا، وقت يتضاعف فيه الثواب، كثواب الصيام والقيام والاعتكاف والصبر وسائر العبادات والمعاملات.

‎عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم قال: «إني أعتكف العشر الأول التمس هذه الليلة، ثم أعتكف العشر الأوسط، ثم أتيت فقيل لي: إنها في العشر الأواخر، فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف»، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم – يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله عز وجل ثم اعتكف أزواجه من بعد،‏ ‏وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان 10 أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف 20 يوما.

ذكر في كتاب عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين عدة تعريفات للصبر وأقسامه وأنواعه ومتعلقاته، ومن الطريف أن الصبر عرف عند العلماء على أنه ضرب من ضروب المنع وحبس النفس عن كل ما يؤدي بها إلى التهلكة أو الصبر في السعي لكل ما يرقى بها وينفعها، وفي اعتكاف الجسد طريق للصبر والذي هو اعتكاف للنفس على محراب الطاعة ومجاورة الصالحات وترويضها على قوانين وأوامر الخالق ما دام عن رضا وطواعية، فإذا كان فيه جهد ومشقة انتقل للمصابرة والتي تعتبر أقل في الدرجة من الصبر وهكذا كلما شق على النفس فعلها تغير مسماها.

كتب أحد الشعراء في الصبر قائلًا:

‎إذا ما أتاك الدهر يوما بنكبة

‎فأفرغ لها صبرا وأوسع لها صدرا

‎فإن تصاريف الزمان عجيبة

‎فيوما ترى يسرا ويوما ترى عسرا

‎جميل هو الصبر وكماله الصبر الجميل، فكيف إذا كان تحت ظلال الصبر صبر كثير فاللهم أفرغ علينا صبرا وجمله بالصبر الجميل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الصبر, رمضان
عرض التعليقات
تحميل المزيد