تسربت إلى مواقع التواصل الاجتماعي صورة جواز سفر إحدى أوائل حالات (كوفيد-19) عند وصولها إلى لبنان، وسرعان ما تداولتها الصفحات لغاياتٍ لا يمكن التكهن بها، أو حصرها ضمن إطار الحرص على الصحة العامة. وفي سوريا بعد الإعلان عن وضع بلدة تل منين في ريف دمشق تحت الحظر الكامل وربط ذلك بوفاة سيدة فور وصولها إلى مشفى في العاصمة دمشق وتشخيص إصابتها بالفيروس التاجي، تحرت وسائل إعلامية خاصة عن الخبر وشاركت جماهيرها ما توصلت إليه من تفاصيل موسعة وبعد ساعات قليلة كانت كل المعلومات الخاصة بالسيدة وعائلتها والمقربين منها مُتاحة لمن يبحثُ عنها.

انتشار فيروس (كوفيد-19) يثيرُ الكثير من التساؤلات حول مهمة الجهات الصحية في الموازنة بين خصوصية المريض، وسرية إجراءات تقصي الحالات المحتملة المُتَبعة وبين ضرورة مشاركة المعلومات مع الجمهور بغرض حمايته، «لا يمكن للأشخاص أن يتوقعوا ذات المستوى من الخصوصية الصحية الشخصية أثناء حالات الطوارئ الصحية العامة التي تتضمن الأمراض المعدية». تقول ليزا لي مديرة قسم النزاهة العلمية والامتثال البحثي في فيرجينيا تيك، والمديرة التنفيذية السابقة للجنة الأخلاقيات الحيوية الرئاسية في إدارة أوباما.

ففي الأوضاع الصحية الطبيعية تقع على مُقدم الرعاية الصحية مسؤولية الحفاظ على خصوصية مريضه وعدم مشاركة بياناته الشخصية مع أي طرف ثالث دون موافقته على ذلك، لكن في الظروف الطارئة المرافقة لانتشار الأوبئة تصبحُ الجهات الصحية مُكلفة بالحفاظ على الصحة العامة واحتواء المرض ولتحقيق ذلك تتقصى الحالات، وتبحث في بياناتها الشخصية، مثل تاريخ السفر الحديث، الأوساط الاجتماعية التي خالطتها قبل تشخيصها، وإدخالها تحت الحجر الصحي، مكان الإقامة الأخير وغيرها لوضع تصور لمصدر الإصابة، سواء كان محليً أو خارجيًا، والأوساط الاجتماعية التي يُحتمل انتشار المرض بين أفرادها… إلخ.

وكذلك تلجأ هذه الجهات إلى نشر المعلومات عن الإصابات بهدف تزويد الجماهير بمعلومات دقيقة لمحاربة الشائعات المُتداولة وما يُرافقها من فوضى وذعر وتحريضها على المشاركة في التخفيف من الانتشار والامتثال للإجراءات الوقائية المُعلن عنها. ويرى جلين مايل مدير الأبحاث في مخبر البيانات المفتوحة في جاكرتا أن حماية الجمهور من المرض لا يعني أنه يجب أن نستبعد الخصوصية الفردية مشاركة بيانات المرضى أثناء الوباء يجب أن تتم بعناية ودقة وضمن حدود معينة.

وهنا يجب التفريق بين مقدار المعلومات التي يرغب المرء بمعرفتها وبين مقدار المعلومات التي يحتاج إلى معرفتها لحماية نفسه من الإصابة، مثلًا خلال تفشي وباء شلل الأطفال في الولايات المتحدة، كانت الإدارات الصحية تنشر أسماء الأشخاص الذين تأكدت إصابتهم في الصحف وفي عام 2014 كان الناس في الولايات المتحدة يبحثون عن معلومات حول حالات إيبولا القليلة في البلاد. لم يكن الناس بحاجة إلى تلك المعلومات لحماية أنفسهم، تقول إيمي فيرتشايلد عميدة وأستاذة في كلية الصحة العامة في جامعة ولاية أوهايو إن معرفة اسم شخص ما لن يحميك، هناك أسباب عاطفية وراء رغبة الجمهور في المعرفة، لكن ذلك لا يحميك ويجب ألا يغير ما تفعله، فمنذ أن أعلنت منظمة الصحة العالمية (كوفيد-19) وباء عالمي في 11 مارس (آذار)، استنفرت دول العالم واتخذت إجراءات احترازية ونصحت المواطنين بالتزام المنازل والمحافظة على النظافة الشخصية، وبالتالي فإن معرفة اسم أو الموقع الجغرافي للحالات لا يجب أن يغير من درجة التزامك وتقيدك بالتعليمات الصادرة عن المؤسسات الصحية في بلادك.

إن الاستخدام المسيء لهذه المعلومات الشخصية وتناول أصحابها بالقدح والذم والسخرية يبرر الخوف أو الحذر من مشاركتها مع العامة، وما حصل من ممارسات عنصرية بحق الجاليات الصينية والآسيوية حول العالم خير دليل على أن هذه المعلومات قد ترتبط أثناء معالجتها بالكثير من العُقد الطبقية والفوقية والعنصرية وتُتَرجم بأفعال وسلوكيات عنيفة كوصم الأشخاص والجماعات بوصمة من العار والدونية أو احتكار المواد والسلع أو التعرض لهم بالضرب والشتائم. في الحقيقة لقد قسم فيروس (كوفيد-19) العالم على أساس امتلاك الوعي من عدمه ونفى كل التقسيمات الطائفية والمذهبية والمناطقية والأيديولوجية، لكن الذعر والخوف من المستقبل المجهول هو ما يدفع الناس إلى تفسيره بصيغة ساذجة يمكنهم استيعابها وفهمها، وعكس مشاعرهم السلبية من خلالها وتبريرها.

نشر المعلومات والإحصاءات الرسمية في مثل هذه الظروف ضرورة وواجب على الجهات الصحية، لكن يجب أن يبقى هادفًا ومسؤولًا، لا عشوائيًا وخاضعًا لنزوات وفضول الجمهور، والأكثر أهمية من مشاركة أسماء ومناطق إقامة وجنسيات وغيرها من المعلومات الديموغرافية عن المصابين، هو نشر المعلومات الخاصة بالأعراض المرافقة للإصابة والمراكز الصحية المخصصة التي يمكن اللجوء إليها والإجراءات التي يجب الالتزام بها. وتتضح في هذا السياق أهمية تقيد الأفراد بالمسؤولية الاجتماعية من خلال الامتناع عن تداول المعلومات الشخصية للمصابين والمساهمة في نشرها على نطاق أوسع وشجب مثل هذه الممارسات عند رصدها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الصحة, المريض

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد