دخلت الحرب في سوريا عامها السادس على إيقاع تصاعد الكلام عن ضرورة إنجاح العملية السياسية، حيث وصلت المعارضة السورية والنظام السوري إلى قناعة عامة بأن الاقتتال بينهما لا يمكن حله في الميدان وإنما عبر التفاوض وتذليل العقبات أمام المحادثات والوصول إلى صيغة تخرج سوريا من بحر الدماء، وهذه القناعة كانت قد تبلورت لدى الأطراف الدولية والإقليمية بأن لا حل لما يجري سوى بالسياسة، غير أن لأبناء القاعدة المتمثلين بتنظيمي داعش وجبهة النصرة رأيًا آخر حيث إنهما لم يلتزما بوقف إطلاق النار، مع العلم أن دول العالم أجمع تدرجهما على قوائم الإرهاب وبالتالي لا حوار مع الإرهاب سوى بالحديد والنار، خصوصًا بعد جرائم الحرب التي ارتكبتها داعش بحق الإنسانية منذ أن برزت واجتاحت مناطق واسعة في العراق ودخولها على خط الاقتتال السوري.

حيث إن جرائم داعش لم تقف عند حد الإساءة إلى الروح البشرية بل تعدتها إلى القيم الحضارية والأثرية فسعت إلى تدمير الآثار والاتجار بها، والتطاول على معتقدات السكان في الأراضي التي دخلتها بالذبح والتنكيل، فكان كل من خالفها عرضة للتنكيل والذبح وطمس الهوية وإن كان لم يسلم من بطشها حتى المسلمون إلا أن التعرض للأقليات مثل الأيزيدين ما زالت ماثلة في الوجدان الإنساني وحتى إن المسيحيين الضارب وجودهم في العراق وسوريا في جذور تلك الدول طالهم البطش وسط ارتفاع الأصوات المتطرفة التكفيرية إلى معاملتهم كأهل ذمة، وأنهم طارئون في هذه الأرض.

فكان التعدي على آثارهم وكنائسهم وعلى تراثهم الفكري والحضاري، فقد انشغل واندهش العالم بعملية هدم الآثار الآشورية في العراق، وسط عجز موصوف في رد هذا الاعتداء على تلك القيم الحضارية، ناهيكم عن عمليات النهب المنظمة التي تتعرض لها الآثار في سوريا خصوصًا تلك التي تعود إلى فترة العهود القديمة، وفي هذا المجال قال الأستاذ المجاز الباحث في العلوم اللغوية السامية في جامعة أوبسالا السويد جوزيف سوك، إنه يجب التمييز بين عمليات «مافيات» الآثار المعروفة عالميًّا من جهة، وما يجري الآن في الشرق الأوسط، تحديدًا في كل بلاد آرام، بما في ذلك العراق وسوريا من جهة أخرى. باختصار، إن عمليات مافيات الآثار تجارية بحتة وعادة لا تتعدى الكسب المالي وفي بعض الحالات قد تبتغي «نقل» أثر معين إلى غير مكانه الجغرافي الأصلي، وفي الحالتين (المالية والجغرافية) فليس الهدف ولا المصلحة في إفساد الأثر بحد ذاته. ولكن ما نختبره اليوم من هجمة همجية متمسّكة بالدين ومن خلال المجاهرة بالشعارات الدينية فهو أعمق، وهو أخطر بكثير.

وهذه الهجمة تعمل على عدة مستويات: معنوية (قيميّة ودينية) ونفسية جماعاتية وحضارية وفنية ومالية ويصعب تصحيحها وفي بعض الحالات يستحيل. وهنا تجدر الإشارة إلى مفارقة لا تخلو من الطرافة (الخبيثة) وهي أن السرقات التي ترتكبها مافيات الآثار أرحم بكثير لكونها حريصة جدًّا على الحفاظ على نوعية الآثار وسلامتها لما في ذلك من رفع المكاسب المالية. بينما في الحرب الأيديولوجية الدينية الحضارية فالمطلوب هو تقريبًا العكس تمامًا: أي أن المطلوب هو طمس الحضارة ومعالمها وتغييب أي شكل من أشكال إعادتها إلى هويتها الحقيقية.

وهذا أساسًا موضوع فكري وليست أولويته الكسب المادّي المباشر. لذلك فهذه العصابات الدينية تستثمر ماليًّا ما يمكنها التخلص منه تجاريًا لتزيد من طاقتها المالية وتبيد ما لا يمكنها نقله وبيعه، كالآثار العملاقة وحالات المجتمعات المحافظة على لغتها الأصلية: الآرامية. ففي حالتين مشهورتين عالميًا، في أفغانستان (تمثال بوذا) وفي آرام وأشور (والآثار الآشورية والآثار الآرامية) وفي حالات الكنائس والآثار السريانية المسيحية رأينا الحقد الأيديولوجي هو السبب الرئيس في محاربة الآثار السابقة للإسلام. والتفسير ليس صعبًا: «التخلص» (من خلال الإبادة) من كل الآثار الظاهرة (العينية) التي تثبت هوية الأرض وحضارتها السابقة للإسلام. وهذه من الخطط المعروفة عند المحتل، فهو يحاول محو كل أثر يثبت تزويره لصك الملكية الأصلية. وأضاف سوك المميّز لهذه المرة هو أن السارق المخرّب يرتكز على الدين الحاكم ولا يحتاج لتغطية السرقة، فهو على العكس من ذلك يريد إيصال رسالة أيديولوجية دينية واضحة بأن كل ما هو سابق (أو مخالف) للإسلام يجب أن يباد، فلا حاجة للاجتهاد أو للتفسير لأن مرتكبي العمل قد فسروه بأنفسهم.

وعن هذا الإصرار على هدم الآثار التي تعود للقرون القديمة وخصوصًا المتعلقة بالآشوريين والسريان، يرى سوك أن هذا يعود لأن السريان هم أصحاب الأرض الأصليون، وبالنسبة للمحتلين فمن أهم الأمور هو محو آثار المالك الحقيقي للأرض. كما ذكرت سابقًا، فالسارق يهدف إلى محو أي أثر قد يدلّ إلى المالك الحقيقي الأصلي. ويضيف الآن  جاء عديمو العلم وعديمو الاطلاع والمدججون بالسلاح المدعوم والمحقونون حقدًا بحيث أنهم لا يعرفون عن المسيحيين أنهم أصحاب البلاد بل يعاملونهم بحسب ما علمتهم إياه كتب التزوير البعثية والعروبية والإسلامية والوهابية: من أنهم «فلول البيزنطيين» أو «فلول الصليبيين» أو «فلول الاستعمار الأجنبي» أو كفار.. مما جعل الوسائل القذرة تتبع طبيعيًّا، فكان من أسهل الأمور لهؤلاء القراصنة الهمج أن يفرغوا أحقادهم بأناس عزل لا قدرة لهم على المواجهة، كل خطيئتهم أنهم أمنوا دولهم على حياتهم. ويضيف سوك لذلك فمن غير الممكن تبرئة السلطات العربية المتعاقبة وممارساتهم في أيام السلم، مما يرتكب من جرائم بحق الأقليات وبحق المسيحيين اليوم في أيام الفوضى والظلام. فكل ما تم حقنه في أيام السلم لفظ سمومه الدموية في أيام الظلم.

وعن واقع المسيحيين في سوريا وهم الذين تعرضت مقدساتهم إلى التدمير والتدنيس من قبل المجموعات المتطرفة التكفيرية رأى سوك أنه «استنادًا للرسالة التي أرسلها بكل وضوح مرتكبو هذه الجرائم بحق المسيحيين ومقدساتهم فإني أتأسف لرؤية الصحافة العربية والعالمية والمسيحية المشرقية مقصرة بل عاجزة عن أداء دورها وذلك لاستخفافها بهول الحدث. إن واقع المسيحيين المشرقيين في آرام، وخاصة في سوريا والعراق يجب أن يوصف على أنه أخطر ما تعرضوا له خلال كامل تاريخهم، ومع ذلك نرى الصحافة تتعامل مع الموضوع وكأنه حالات معاناة جزئية مناطقية. طبعًا إن مدنهم وقراهم اقتلعت بالعشرات ومنها ما اقتلع مع تراثه اللغوي، ولكن هذا ليس كارثة مناطقية.

لقد رأينا ولي العهد البريطاني في كلمته لمهنئيه بعيد الميلاد يعبر عن قلقه أمام المأساة التاريخية والمصير التاريخي المظلم المتربص بمسيحيي الشرق معتبرًا إياه خسارة عالمية، ومع ذلك لا نرى أي بطريرك أو أي سياسي مشرقي يقوم بأقل واجباته نحو هذا الشعب المتروك. ماذا يعني تفجير كنائس بمن فيها من مصلين؟ وكيف تعاملت السلطات معه؟ ماذا يعني تقتيل مسيحيين عزّل مسالمين لا حول لهم ولا قوة وذبحهم في قراهم وتهجيرهم فيما السلطات، من قريبة وبعيدة لا تقوم إلا بالاستنكار اللفظي للواقع؟ ماذا يعني أن نسمع أقوى بطريرك في الشرق، أي بطريرك (السريان) الموارنة، يكتفي بأن يعظ المجرمين بالكف عن إجرامهم وبالصلاة؟ كل هذه الأفعال تثبت مرة جديدة أن الشعب المسيحي لا يزال متروكًا في مهب الريح، في الشرق.

وفي حالة البطريرك السرياني الماروني: كيف لنا أن نصدق ما يتمناه البطريرك من أمان لمسيحيي الشرق وهو يكتفي بالطلب والتمني والصلاة بدل أن يستعمل كل سلطته وسلطة السياسيين المسيحيين في لبنان لاستقبال المضطهدين منهم في الوطن الوحيد الذي منحه التاريخ لمسيحيي لبنان والشرق؟

وفي حالة البطاركة المشرقيين الآخرين: كيف نقتنع بأنهم حقيقة رعاة إذا كان كل ما يفعلونه هو تطبيع الأنظمة الحاكمة ودعمها والخضوع لها، بدل السعي الدؤوب إلى تصحيح الوضع استنادًا لمعلوماتهم التاريخية ولمسؤوليتهم الأخلاقية وما يتبع ذلك من خلق الحالات المعيشية التي تطمئن رعاياهم (وليس فقط محسوبيهم)؟ وأكثر من ذلك، فكل ما نعرفه عن هؤلاء البطاركة ورؤساء الكنائس هو سعيهم لدى السلطات في الشرق وفي الغرب، لخنق إمكانيات الهجرة التي أضحت الوسيلة الوحيدة لاستمرارية شعبهم المسيحي في الحياة. فهؤلاء الرؤساء يخافون على التعداد وليس على مصائر الناس. فبدلًا من أن يستعملوا سلطتهم للاتصال بالحكام لخنق إمكانيات الناس على الهجرة المنقذة، عليهم أن يستعملوها لخلق الظروف المؤدية لبقاء الناس. وهذا لا يكون بمنع تأشيرات السفر بل بتأمين الحرية والكرامة والسيادة للشعب المسيحي من يد السلطات. فإذا كانوا عاجزين عن ذلك فليطالبوا به على الأقل ممن يستطيع تحقيقه. وإذا كان هذا متعذرًا في كل البلدان العربية فليكن إذن توافقٌ على إيجاد سيادة للمسيحيين على جزء من بلادنا آرام، مثلًا في لبنان. وإذا اعتبر البعض كلامنا تقسيميًّا فليكن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد