الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

مع كل يوم يمر على قضية الصحفي المغدور جمال خاشقجي يصب علينا الإعلام سيلًا من الأخبار المأخوذة عن مصادر تركية مطلعة ورفيعة المستوى وتقارير استخباراتية، لدرجة أنه لا يكاد أحد يستطيع مجاراة الحدث وتطوراته السياسية والاقتصادية والأمنية، وفي ميادين الإعلام زادت قضية خاشقجي من حدة الحرب الإعلامية المستعرة منذ منتصف العام الماضي في منطقة الخليج، كما أنه هناك تداعيات لهذا الحدث في الغرب، فالمغدور هو كاتب عمود في أحد أعرق الصحف الأمريكية وهي واشنطن بوست، وشخصية ذات ثقل أكاديمي وحضور في الندوات والمحافل الإعلامية هناك، وبفضل الحراك الذي تصدرته محررة قسم الرأي العالمي بالصحيفة كارين عطية فقد أحدثت القضية ضجة كبيرة في الشارع الأمريكي ولا يكاد يمر يوم على الرئيس الأمريكي ترامب إلا وسأله الصحفيين عن الذي ستفعله الحكومة بخصوص هذه القضية.

العالم يترقب تحرك ترامب وإدارته في هذه القضية في ظل واقع يفرض نفسه بقوة، وهو دعم ترامب الصريح لمحمد بن سلمان وغيره من الأنظمة المتسلطة حتى نظام السيسي، وواقع أن أولوية الاستفادة المادية من دولة مثل السعودية هي أعلى بكثير من قضية حقوقية عن رجل دخل إلى قنصلية بلده ولم يخرج منه، فالرجل بالنسبة لترامب ليس أمريكيًا كما قال هو بنفسه، ولذلك لن يفعل كما فعل في حالة القس برانسون الذي كان محتجزًا في تركيا، يقابل هذا الواقع زخم القضية في وسائل الإعلام الأمريكية وانتقادات حادة من شخصيات في الكونجرس للنظام السعودي واستنكار واستهجان لما حدث ومطالبة بمعاقبة المسؤول عن الذي حدث وكشف ملابسات القضية، من ناحية أخرى فقد نأت عدة بنوك ومؤسسات وشخصيات من عالم المال والأعمال بنفسها عن مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار الذي تستضيفه الرياض العاصمة السعودية، كما كانت هناك مواقف من حكومات الدول الأوروبية تعبر عن استنكارها ما حدث وتصريحات ضد النظام السعودي.

النظام السعودي وجد نفسه في ذات الموقف الذي أراد أن يضع دولة قطر فيه قبل عام ونصف تقريبًا، عندما أعلن مع الإمارات والبحرين ومصر مقاطعتها وفرض الحظر البري والجوي عليها ومنع الحجاج والمعتمرين القادمين منها والذين وصلوا بالفعل في الحين الذي كان إعلام الدول الأربع يتحدث عن عزلة قطر عن محيطها الخليجي، اليوم نرى العزلة السعودية عن العالم بأسره ليس لها سوى الإمارات التي تتوارى عن الأنظار فيما عدا بعض التصريحات الخجولة بينما لا نكاد نسمع صوتًا لمصر أو البحرين، الآن تقوم السعودية بالحشد والتعبئة لنشر خطاب الوطنية والدفاع عن (السعودية العظمى) كما يسمونها من شر الأشرار وكيد الفجار ويتم استنفار كل الشخصيات الإعلامية والصحفية والمثقفين والشيوخ لصد العدوان.

كان الحديث الذي يدور في إعلامهم عن اختفاء ومقتل خاشقجي أقرب إلى الهزل، وكتّابهم على مواقع التواصل الاجتماعي كانوا في ذات المستوى أو أقل، خاصة أنهم يحاولون الهرب من الحقيقة الثابتة وهي أن جمال خاشقجي دخل إلى مبنى القنصلية ولم يخرج منه وكل تجليات المنطق في الدنيا تجعل من صاحب القنصلية هو المشتبه الأوحد، وصل مستوى حديثهم إلى الخوض في عرض السيدة خديجة جنكيز خطيبة خاشقجي التي لم تفعل سوى الحضور معه إلى القنصلية وانتظارها له بالخارج دون أن يعود إليها، أما شيوخ العار فكانوا يسبحون بحمد الدولة ويتنافسون في تمجيدها وتمجيد أميرها والحث على الذود عنها وصد أي عدوان عليها، وفي كل هذا الحشد المعنوي المزيّن بكلام التوحيد لم يكن هناك نصيب لجمال خاشقجي ولو كان ببعض الكلمات التي يدعون فيها للرجل بالسلامة في فترة اختفائه، فكانوا يصفون بلدهم بأنها معقل التوحيد وحامي حمى الدين، وهو ذات الدين الذي فيه حرمة دم المسلم أعظم عند الله من حرمة المسجد الحرام.

صك الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله مصطلح (الدولة المطلقة) لتبيان سمة أساسية لهذه الدولة التي لا تستمد شرعيتها من مرجعية متجاوزة وإنما من مرجعية كامنة في ذاتها، فهذه الدولة هي التي تحدد الحق والباطل، الصواب والخطأ، وهي التي منها (كما هو مفترض) يتم الفصل بين المتنازعين، ولهذا تجد القيم الدينية أو الأخلاقية أو الإنسانية أمورًا غير ذات صلة، والذي ينجم عن ذلك هو مرجعية عجيبة كونها حاسمة لا تقبل الجدل والنقاش وفي نفس الوقت لا تكاد تجد لها ملمحًا واضحًا ولا تعرف عنها شيئًا سوى أنها (الوطنية) أو (سيادة الدولة وكرامتها) وعناوين أخرى مشابهة.

لا يهم إذا ما كان مفهوم الدولة المطلقة ينطبق بكليته على دولة ما في زمننا هذا، ولكن يهمنا تسليط الضوء على بعض الشواهد التي أوردها الدكتور المسيري في سياق الحديث عنها والتي تتجلى كثيرًا فيما نراه على أرض الواقع، كما أنها تفسر الكثير من خطابات الوطنية التي نراها تضرب بالقيم الإنسانية والأخلاقية عرض الحائط، فالمرجعية التي يتم عليها بناء التصور والحكم على الأمور هي الوطنية وحب الوطن وسيادة الدولة، فللدولة المطلقة القدرة على استخراج الاستجابة العاطفية من الشعب لمفاهيم كهذه من دون أن تكون هناك محددات واضحة لها ومتفق عليها، والذي يعين على ذلك هو الأجهزة الإعلامية والشخصيات التي تتصدر الرأي العام من كتاب ومحللين ومنظرين وغيرهم، أما مفاهيم مثل الإرادة الشعبية أو رغبة الجماهير أو مثل ذلك فهي مجرد مطلقات تعبر عن نفسها عن طريق أجهزة الدولة ومؤسساتها، بينما المجتمع الذي من المفترض أن يعبر هو عن ذلك مجتمع تم استنزاف طاقته وتبديد طموحاته في استقلال حقيقي ليكون له صوت حقيقي يوجه أو يؤثر في الحركة الإصلاحية والتنموية ليصبح مادة بشرية توظفها الدولة لتخدم الصالح العام الذي تحدده هي أو جماعة الخبراء وتصدق عليه أجهزة الإعلام وتروج له، وكل من يحاول الخروج أو الانحراف عن هذا الخط يكون خائنًا يستحق الإعدام.

كان مصطلح الوطنية مثار جدل بين المفكرين، فلم يكن من السهل معرفة من هو الوطني وما الذي يفعله؟ وما هي ملامح ومحددات ذلك الوطن الذي يدافع عنه؟ ولكن إن كانوا توصلوا لشيء فهو قطعًا ليس الذي نراه الآن، فالوطن لم ولن يكون هو الحاكم أو النظام إلا في عقول أشباه الكتّاب والمثقفين وسفهاء القوم الذين إن لم تنطق ألسنتهم بذلك نطقت به ألسنة أحوالهم، والوطنية ليست الرقص على أشلاء وجثث الحرائق في رابعة وهي لا تقبل لغة (إحنا شعب.. وانتو شعب) ولا التحريض على القتل وانتهاك حقوق الإنسان، وهي ليست الشماتة في المعتقلين ولا الطعن في أعراض الناس ولا هي في الشتائم والكلام العنصري البغيض أو في الاستعلاء على الآخرين، وليست بحال هي تأييد الحاكم الظالم في البطش والتنكيل بالرعية، ولا كان ذلك كله من الدين والدين منه براء، وأيًا كانت الوطنية فهي لن تحجب صاحبها من الاستنكار البالغ لفكرة أن شخصًا ما يدخل قنصلية بلده فيتم قتله داخلها.

وطنية هؤلاء لا تزيدهم إلا عزلة عن الآخرين وهذا ينعكس للأسف على الشعب نفسه، والنظام يدعم هؤلاء (الوطنجية) بأسراب الذباب الإلكتروني التي لا تتردد في تهديد كل من يقابلها على وسائل التواصل الاجتماعي باختراق الحساب أو التربص به عند وصوله لأرض الحرمين لأداء المناسك أو حتى بالقتل وهي لغة يستخدمها وزيرهم السابق سعود القحطاني صراحة ودون مواربة ودراما القائمة السوداء ما زالت في الذاكرة.

أخيرًا فعلها النظام واعترف بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في حيثيات جعلت نظام محمد بن سلمان في مواجهة أسئلة أخرى يتصدرها السؤال عن جثة الرجل وكيف لا يكون الملك وولي عهده لا يعلمون بما حدث ذلك اليوم في المبنى ولماذا كذب القنصل صراحة على الإعلام، هذا ناهيك عن سخافة ما أعلن عنه المسؤولون عن شجار حدث في مبنى القنصلية الأمر الذي ينكره كل من عرف جمال خاشقجي وطبعه الهادئ غير المصادم ولا حتى مع من يسبونه صباح مساء في الإعلام وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، فكيف بشجار يسقط على إثره صريعًا ضد أكثر من 15 رجلًا لم يستطيعوا إيقاف الرجل دون قتله.

لا أستطيع أن أجزم بأن آل المغدور جمال خاشقجي سينالون القصاص التي ينشدونه من القتلة، ولن تكفي مناصب سعود القحطاني وأحمد عسيري ولو أنها قد تشفي غليل الناس قليلًا، فكل من خبر حال المملكة ونظامها يعلم أنه لا يمكن لعملية كهذه أن تتم بدون ضوء أخضر من البيت الحاكم، ولكن تظل العدالة في زمننا رهن إشارة الساسة ومصالحهم وأولوياتهم التي تقع سلامة البشر وحقوقهم في نهايتها، ولذلك نأمل أن تكون هذه الحادثة سببًا في أن يعيد المتابع لكل هذا النظر في كل ما يراه وكل ما يتلقى منه المعرفة ويتعامل مع الواقع على أساسه علّه يستعيد الإنسانية التي فقد جزءًا كبيرًا منها بعد الانقلابات الدموية والأرواح التي أُزهِقت وما تبعها من حملات إعلامية لتزييف وعي الناس وتضليلهم والشحن الطائفي لهم.

نسأل الله الرحمة للصحفي جمال خاشقجي وأن يلهم آله وذويه وكل المقربين منه الصبر وحسن العزاء، رحل ولكن استحق احترام الجميع موافقًا له كان أم مخالفًا، أما الأبطال الوطنجية وشيوخ النفاق فمكانهم هو مزبلة الحاضر فلسنا بحاجة إلى أن ننتظر لتذهب هذه الحقبة الزمنية إلى طيات التاريخ حتى يتم رمي هؤلاء إلى مزبلته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!