«المحبة أساس السلام» فأنت بها متصالح مع نفسك والمحيطين بك، إن الرضا والقناعة والإيمان أهم السبل إلى السلام مع النفس لكن أغلب البشر لا يدركون! فحياة الإنسان تزدهر حينما يعم السلام النفسي في أجوائها فيزيد الجهود ويتضاعف الإنتاج

دراسة من إعداد هشام البدري:

أحيانًا كثيرة تسمع صديقك ينفعل ويقول لك: لا أجد نفسي في هذا العمل، وصديقًا آخر يقول: لا أجد نفسي في هذه الحياة، وآخر يقول: إنني أبحث عن نفسي فلا أجدها وأشياء كثيرة من هذا القبيل تعبر عن عدم رضا الشخص بما هو فيه أو بوضع معين وجد نفسه فيه.

فما هي هذه النفس التي يبحث عنها الإنسان وهي داخله؟ في الحقيقة هذه العبارات صحيحة تمامًا، لأن كل إنسان منا يبحث عن نفسه، ويحاول أن يعرفها لكي يتواءم معها ويعقد معها معاهدة سلام، ولأن رحلة الحياة هي في حقيقتها رحلة الإنسان للبحث عن نفسه وعن سعادته.

والذين لا يعرفون أنفسهم جيدًا هم في حالة حرب مستمرة معها، لا تهدأ نفوسهم ولا يهدؤون معها، والذين يعرفونها جيدًا هم السعداء الذين تقول عنهم إنهم يعيشون في سلام نفسي لا تؤرقهم الرغبات التي تتجاوز قدراتهم، ويحبون حياة يرضونها مهما كان نوع هذه الحياة، ويعملون أعمالًا يهوونها ويتلذذون بأدائها مهما كان عائدها أو مستواها.

فالسلام النفسي شعور يفتقده الكثير من الناس على الرغم من حاجتنا جميعًا إليه، فهو غاية حياتية لا غنى عنها لكي يتوازن الإنسان وينسجم مع نفسه ومع غيره، إنه شعور الطمأنينة وراحة البال وهو أعلى المراتب الروحية التي تجعل الإنسان متصالحًا مع نفسه ومع المحيطين من حوله.

فالشخص المقبل على الدنيا بعزيمة ورؤية صائبة لا تخضعه الظروف المحيطة به مهما ساءت، وهو الذي يستطيع أن يعلو بروحه ونفسه لأحسن الأحوال مهما كانت الأهوال.
إن الإنسان هو منطلق العالم نحو السلام، وسلام العالم يبدأ من النفس الإنسانية، فإذا عاشت هذه النفس سلامًا داخليًا أثمر ذلك سيادة معاني السلام في حياة الجماعة والدولة والإنسانية جمعاء، وإذا افتقدته عز على العالم أن يدرك هذه الغاية أو يلمس آثارها.

سبل السلام النفسي

والسلام النفسي يمنح الإنسان القوى اللازمة من أجل تخطي الصعاب التي تواجهه في حياته سواء في العمل أو المنزل أو حتى في تعامله مع الآخرين، فالإحساس بالرضا من أجمل وأحسن الطرق التي تؤدي للسلام النفسي، ومن خلال الرضا والقناعة تستريح النفس ويرتاح البال ويهدأ القلب.

إن السلام النفسي هو قمة الهرم الروحي للعيش بسعادة وهناء وراحة بال، ويأتي بعد تأسيس المبادئ التي تحقق عملية شحن القلوب وهذه التعبئة الذاتية لا تأتي دفعة واحدة وإنما من خلال تدريب نفسي طويل ومستمر على الشعور بالثقة اعتمادًا على أساس الكفاءة سواءً كانت كفاءةً فنية في المعرفة والخبرة أو كانت كفاءة المبادئ واختبار المسلمات، وأيضًا التدريب على التعامل مع الغير وفق أساس الكسب المشترك.

هو أكثر من مجرد غياب الحرب النفسية والصراع مع الضمير، بل هو السلام الذي يتعلق بعمق حياتنا الذاتية من الداخل، إنها حياة المتعة في خضم هذه الحياة وليس الانسحاب منها.

إن السلام النفسي هو إحساس الإنسان بأن الآخرين جزءٌ منه، يشعرُ بهم، يفرح لفرحهم يحبُ لنفسه ما يحبُ لهم، ويساعدهم ليكون لهم مثل ما لديه، ويسعى ليكون له مثل ما لديهم، وأن لا يشعر بالحقد والأنانية، أو أن يخاف الفشل بحجة أن الآخرين سيضحكون عليه، أو أن يرغب في التفوق لمجرد أن يظهر نفسه، أو اعترافه بالخطأ إذا أخطأ يومًا، ومعرفته نقاط ضعفه وقوته.

أسس أربعة

والأسس الأربعة لقيام السلام النفسي هي: (الحياة والحب والتعلم والذكرى الطيبة)، كل ذلك مع استخدام الملكات الأساسية وهي إدراك الذات والوعي والإرادة المستقلة.

فالعطاء الوجداني مع الناس يمثل دفعة عاطفية للذات، والعطاء الاجتماعي في أعمال الخير يطفئ اللهيب النابع عن الضغوط الحياتية والصعوبات المادية خاصة في عصرنا الحاضر.

إن المحبة هي أساس السلام النفسي وعندما يعم السلام النفسي تزدهر جميع أجواء الإنسان سواء في العمل أو في المنزل ويفوح عبيرها ليملأ كل الأرجاء إنتاجًا، فالإنسان الذي تمتلئ جوانبه بالمحبة والتسامح يتحرر من الخوف على لقمة العيش، فلا ينافق ولا يفتك بالآخرين عن طريق الوشاية والخداع والكذب، والحب بهذا المفهوم هو أن يعمل الإنسان ويدفع الآخرين للعمل، أن يكون صادقًا ويفجر الصدق في الآخرين، أن يكون قادرًا على أن يساند الآخرين ليكونوا أقوياء وقادرين على العطاء والتسامح والتعاون والمشاركة والبناء والارتقاء المادي والنفسي، والمودة والمحبة والتسامح مواقف إيجابية عندما تحتضن متاعب الآخرين ومشاكلهم.

شرك التأويلات

إن الإيمان يمنح المرء السلام النفسي الداخلي والطمأنينة الروحية، وهذا الأمر يمكن إدراكه في الديانات السماوية المرتبطة بالمعرفة الإلهية (الوحي) على أساس يقيني، دون الوقوع في شرك التأويلات البشرية المتطرفة التي قد تتحول إلى النقيض، فتنتج العداء للآخر المختلف معها في المعتقد.

وينطلق التصور الإسلامي للسلام وهو التصور الشامل لكافة المستويات الإنسانية من السلام النفسي، فالإنسان الحائر المضطرب، الفاقد معاني السكينة والطمائنينة الروحية هو أبعد ما يكون عن إقامة مبادئ السلام في الحياة.

ويقوم مفهوم السلام النفسي في الإسلام على جملة مبادئ عقائدية وشعائر تعبدية وقيم أخلاقية جاءت بها الرسالة لتجعل في مجموعها النفس الإنسانية متزنة الأمن والسلام وتعصمها من الاضطراب والتناقض، وذلك من خلال أحكام الإسلام عامة ومقتضيات العقيدة والعبادة خاصة.

الثقة بالنفس

إن العامل الأشد أهمية والذي أكد عليه علم النفس واعتبره شرطًا أساسيًا في بناء الشخصية الناضجة هو: الثقة بالنفس، ويقول «فرويد»: إن الثقة بالنفس تشكل دعمًا للشخصية في وجه التحديات، وانعدام الثقة بالنفس تجعل الفرد يعيش حياة هامشية لا معنى لها ولا هدف منها يُرجى، وينتقل «سيغموند فرويد» إلى نظرية يؤكد فيها، أن الإنسان حين يفقد الثقة بنفسه يعيش بذات غريبة عنه، وتتشكل لديه حالة قصوى من اليأس والإحباط، ما يؤثر في طباعه ويجعله يعيش في صراع يهدد أمانه السلوكي.

إن السيطرة على النفس تشكّل قمة النضج في الشخصية، والثقة بالنفس أشبه بسلاح معنوي يمثل قوة خفية تحمي الإنسان من شر نفسه أولًا، وتقيه تاليًا من متاهات الانحراف وتجارب الفشل، هذا ما أشار إليه العلامة «فرويد» في كتابه «قلق الحضارة».

وأضاف قائلًا: «…أن نحب أولادنا، هذا يعني أن نساعدهم في الوصول إلى أعلى مستوى من الرشد والنضوج، وأن نحترم احتياجاتهم وميولهم النفسية والذهنية، فهذا يخلق فيهم شعورًا بالثقة بالنفس وبالآخر، وهو شرط أساسي للنمو المتكافئ، فحين يجد الطفل أن حاجاته المعنوية والنفسية تجد طريقها إلى الإشباع والتلبية، يمضي في طريقه بثبات».

جيل واثق

بعض من شبابنا يميل إلى العزلة وعدم الاختلاط بالمجتمعات ويحتاجون إلى من يوجههم دومًا إلى ما يفعلون، لأن الشاب الذي يعيش منعزلًا تنقصه الخبرة في التعامل مع المجتمع، والسبب مرده إلى أن بعض الآباء يعاملون أولادهم بطريقة تجعلهم اتكاليين غير قادرين على الاعتماد على النفس ويشعرون بالحاجة الماسة إلى معونة الآخرين، وفي هذا يقول علماء النفس والاجتماع: حين يتعامل الأهل مع أولادهم كأشخاص فاشلين لا يستطيع الأبناء شق طريقهم منفردين، وهذه المعاملة تخلق شبيبة معقدة، لأن الفرد يكتسب أنماطًا سلوكية معينة نتيجة احتكاكه مع الآخرين وتفاعله الاجتماعي ومشاركاته، وهذا التفاعل له أكبر الأثر في جعل الشباب يأخذون قراراتهم بأنفسهم لأن التفاعل يكسبهم خبرة في التعامل.

عقلانية وانفتاح

إن الإنسان لا يمكنه أن يبني شخصيته خارج المجتمع وبمعزل عن الآخرين، لذلك تعوزه الثقة بالنفس كونها تساعده في المشاركة والمواجهة بعقلانية وانفتاح، فالمرء الواثق من نفسه يتوصل إلى السيطرة على الفوضى في حياته الشخصية، ويتفوّق في علاقاته الاجتماعية.

والخلاصة أننا لا نريد جيلًا يعيش في عزلة نفسية – اجتماعية، بل ما نريده هو جيل واثق من نفسه، يملك القدرة على الرؤية الواضحة ومواجهة العالم الخارجي بأهدافه وتحدياته.

مجتمع السلام

إن أسمى ما تطلبه النفس البشرية هو الشعور بالأمن والهدوء والقبول بمن حولها في مجتمعاتها وأبسط ما ينال به ذلك أن تكون النفس البشرية هي مبعث السلام لمن حولها، ليتحقق بذلك مجتمع السلام والذي يبدأ بنفسي وبنفسك، ولنحقق في أنفسنا سلامًا يفيض على جوارحنا وحركاتنا وسكناتنا، سلامًا يمتد أثره للآخرين ويبدأ بالبحث عن الأفضل في كل شيء ويرى الجانب المشرق والمضيء في كل شيء، ففي باطن كل محنة منحة لا تخفى على من يُعمل التفكير والنظر بزاوية أخرى للأمور، وللمضي بحاضر جميل لا بد من التخلص من ركام الماضي والتخلص من المواقف السلبية التي اعترضتك، حاول المبادرة بالسلام ونشر الخير والدعوة إليه ورافق بذلك أناسًا يتمتعون بالإيجابية متفائلين بالحياة، فالحصول على الهدوء النفسي يبدأ من داخل الإنسان عندما يقرر بذاته أن يكون هادئًا في ردود أفعاله.

السلام هو السبيل إلى كل نجاح تريده، هو ما تحتاجه لإنجاز الأشياء، والله عز و جل من أسمائه السلام.
اخلق بداخلك السلام واجعله يرتوي من أخلاقياتك تصل إلى هدفك وتحقق ما تبغاه.

ولنا في الحديث بقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد