شوارع بغداد تتزين بالحُمرة كل يوم، رائحة الدماء تطغى على الأجواء، تنام المدينة وتستيقظ على وقع انفجار هنا أو هناك.

حتى مدينة المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم أصبحت هدفـًا للمُضِلين، واليمن السعيد أمسى حزينًا، وحلب الشهباء صارت ظلماء، نعيش حياةً سطحية، الاقتتال فيها سمة رئيسة، ونابع من طاعون الطائفية والتعصب .

إن هذا الجنون الصارخ البارز في الساحة الآن ما هو إلا نتاج فشل سياسي ذريع لعدم قدرة من هم في رأس السلطة على بناء دولة المواطنة ودولة الاختلاف والتنوع، هذا الفشل يدفع ثمنه كل يوم الأبرياء، الأطفال قبل الكبار، هذا الفشل خلق نوعًا من الِفكر العفن الذي ولّد لنا مُسوخ الطائفية والتعصب وأنسى الفرد أنه خليفة المولى عز وجل على هذه البسيطة، وجعله متخبطـًا مُتبعًا للانفعالات الجارفة، وعاكسًا لمصطلح القطيع في أفعاله وأقواله، فأصبح كلٌ بحزبه فرِح حتى وإن كان كافرًا بمعتقدات حزبه وصدق مبدأه، فالانغلاق يطفئ البصيرة ويميت القلب ويفسد رجاحة العقل وصحة الاستدلال والقياس ويُسيِّر الفرد لنصرة جماعته في الحق والباطل وفي السراء والضراء فكل الطرق لديه سواء، وبذلك يغلق أبواب الاتصال مع الآخر ويخلق لنفسه عالمًا من السوداوية يعادي به من يخالفه حتى وإن خالفه بصغائر الأمور .

وبعد أن خذلتنا السياسة وتاجر بنا الساسة، ونهج نهجهم علماء الفتنة والجهل، الذين يعينون الطُغاة على الاستبداد وإشغال الناس عن أمور دينهم ودنياهم، فهم من أباحوا الضرب والقتل فأشغلوا الناس بدفن قتلاهم ومداواة جرحاهم، فسيطرة شيوخ الجهل على المنابر الإعلامية رسخ في أذهان العوام الإسلام الشكلي وأبعدهم كل البعد عن مفهوم الإسلام الجوهري، أصبح لزامًا علينا أن نُوّحد الصفوف ونسعى لإصلاح المجتمع، وأن نعزل السياسة عن أمور الحياة الاجتماعية والدينية فكلٌ له مجرى يتدفق فيه، ووجب علينا ترك الخلافات الفقهية والمذهبية في ميدانها العلمي دون زجها في أعاصير التحزب ومحاجر الآراء المتخشبة والعيش تحت سقيفة السلام والاطمئنان بعيدًا عن فساد النفوس وخراب القلوب، وهذا لا يأتي إلا بعد اتباع مسلكين :

الأول هو النشأة على العلم الصحيح، وأخذه من أصحاب العقل والرشاد، وترك غثاء الوعاظ ومشايخ الفتنة والقتل، الذي ما يلبث صراخهم إلا أن يتهاوى ويتفكك مع أول عقبة تواجهنا أو يتحول لحزام ناسف لا يُخلّف إلا ثُكالى وعروش خاوية، وهنا يكمن دور علماء الأمة وأهل الاختصاص بتأصيل العلم في نفوس العوام وتجديد الخطاب الديني ليتوافق مع متطلبات العصر وهذا كله لا يتحقق إلا بعد دراسات جادة وشاقة مصحوبة بأطروحات عميقة تلامس وتحاكي الواقع الذي نعيشه، نحن أحوج ما يكون لثورة فكرية وانتفاضة روحية، ثورة فكرية تصحح بوصلة توجهات الأمة وتطلعاتها، نربي فيها العقول قبل اللحى، وانتفاضة روحية تصلح ما فسد فينا من محبة وتسامح، نبعث الإنسان فيها من جديد .

وأمّا المسلك الثاني هو الاعتزال والرجعة، وبهذا يهجر الفرد المجتمع والفتن ويعزل نفسه عن الأمراض الفكرية والأوبئة الطائفية التي تغزو أقوالنا وأفعالنا، في محاولة لتنقية العقل من سموم الظلم والطغيان وانتهاج فِكر محايد لموازنة الأمور بمقياس الحكمة والتأني، وقيادة تمرد على الركود الفكري ومحاولة خلق حركة متجددة ينتفض معها ما هو سائد، وعلينا أيضًا أن نعلم أن هذه الدنيا زائلة، ولا عزة فيها؛ فلنحيا هذه السنوات القلائل بسكينة واطمئنان يحترم فيه الإنسان أخاه الإنسان وننبذ فيها كل ما هو مذموم، إن الدين فسيح وإن الآراء المختلفة حاضرة، وإن الحقيقة المطلقة معدومة فيما أُختلف فيه، وأن الصواب ليس حكرًا على جماعة أو طائفة، فلندع الخلق للخالق ما دام ليس فيه مضرة .

فإذا ما سرحنا البصر في عالمنا اليوم لن نرى إلا لوحة ملطخة بالدماء عناصرها الحقد والكراهية والبغضاء، ليس فيها فسحة للجمال والإبداع، رسالتها الرئيسة أن حياة الإنسان فيها رخيصة، لماذا نسمح للجهل والتعصب أن يترك توقيعه أسفل هذه اللوحة؟ لماذا لا تكون هذه اللوحة رمزًا للجمال والاطمئنان وتكون مسرة للناظرين وجنة للعاشقين؟ أكل هذه الصرخات والآهات غير كافية لتبرهن لنا أننا في طريق مِعوّج؟ أكل هذه الجثث والأرواح غير قادرة على برهنة أننا نتبع سوء السبيل؟

نسأل المولى عز وجل التوفيق والسداد ،وأن يرزقنا الحكمة وحسن الإدراك، وكل عام وأنتم بخير، وأعاده الله علينا بالصحة والعافية والسلام .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد