منذ سنوات تعرض مواطن بريطاني للإهانة في دولة بوليفيا، فلما علمت ملكة بريطانيا بالواقعة، استدعت على الفور قائد البحرية البريطانية وأمرته بتحريك الأسطول البحري البريطاني لضرب دولة بوليفيا، تعجب قائد البحرية من طلب الملكة، واستأذنها في الخروج لدقائق، ثم عاد ومعه قائد آخر، وكان مُقرّبًا عند الملكة، فأخبرها ذلك القائد أن دولة بوليفيا لا تحيطها أية مياه، وبالتالي فضربها عن طريق البحر أمر مستحيل، استشعرت الملكة الحرج، ولكنها في ثوان قليلة استطاعت أن تخرج من هذا الموقف، فقالت لهما ائتوني بالخريطة، ففتحتها وقامت بقص دولة بوليفيا من الخريطة ثم قالت «هكذا، نو بوليفيا». قصة رواها محمد حسنين هيكل في أحد حواراته التلفزيوينة، وإعجابًا بها نقول:

أيها الحكام العرب، السلام على من اتبع الهدى.

-أيها الحكام، أعلم أن رسالة الشعوب لم تصل إليكم، وأعرف الأسباب، ولا ألتمس لكم عذرًا في هذا لأنكم الرعاة، ورغم ذلك سنكون على وعدنا معكم ونرشدكم إلى الحل الذي وعدنا به، فلعل صوتنا يصل يومًا إليكم.

-أيها الحكام، لا شك أننا نحن الشعوب نعيش في وادٍ بينما أنتم تعيشون في آخر، وحتى نصل إلى ذلك الحل،  فلابد أن يحدث تقارب بيننا وبينكم، هذا التقارب محالٌ أن يحدث إلا بأحد أمرين، أما الأول، فأن نعيش كما تعيشون، ونكون على ما أنتم عليه، وهذا ما لا نرضاه لأنفسنا رغم حياة الترف والنعيم، وأما الثاني، وأراه الأفضل والأسهل، فهو أن تفعلوا مثلما فعل هذا الملك.

-أيها الحكام، في الأزمنة الخوالي كانت توجد مملكة هادئة، يجري بوسطها نهرٌعذب صافٍ تشرب منه الرعية، وذات يوم أصيبت مياه النهر بمرض الطاعون، فكان كلما شرب منه واحدٌ أصابه الجنون،  وظل الأمر على هذا حتى شربت الرعية كلها، فصار الجميع يتكلم ويفكر بطريقة لا يفهمها العقلاء، لم ينج من ذلك أحدٌ، فنادى الملكُ وزيرَه يسأله عن الملكة، فقال الوزير أصابها الجنون يا مولاي وقد ذهبت إلى الطبيب تشكو إليه جنونك أنت، فسأل الملك وأين الطبيب؟ فقال الوزير أصابه الجنون يا مولاي،  فسأل وأين الحرس، فقال أيضًا أصابهم الجنون يا مولاي، فقال الملك ما هذا المصاب؟! من بقي في هذه المدينة لم يجن؟ رد الوزير: للأسف يا مولاي لم يبقَ في هذه المدينة من لم يجن سواك وأنا، فقال الملك: وهل سأحكم مدينة من المجانين، فردّ الوزير: عذرًا يا مولاي، فإن المجانين يدّعون أنهم هم العقلاء ولا يوجد في هذه المدينة مجنون سوايَ وسواك، فقال الملك ما هذا الهراء! هم من شرب من النهر وبالتالي هم من أصابهم الجنون، فرد الوزير: الحقيقة يا مولاي أنهم يقولون إنهم شربوا من النهر لكي يتجنبوا الجنون، لذا فإننا مجنونان لأننا لم نشرب، وما نحن يا مولاي إلا حبتا رمل الآن، هم الأغلبية، هم من يملكون الحق والعدل والفضيلة، هم الآن من يضعون الحد الفاصل بين العقل والجنون، وهنا قال الملك: يا وزير أغدق علي بكأس من نهر الجنون، إن الجنون أن تظل عاقلًا في دنيا المجانين.

-أيها الحكام، هذا هوالحل الأسهل والأفضل، فعليكم أن تشربوا من نهر العذاب والذل الذي تجرعت منه الشعوب على مدار قرن من الزمان تقريبًا، أيها الحكام، بإمكانكم أن تتمثلوا حياة الشعوب المطحونة، بإمكان أحدكم أن يدخل بيتًا أو شبه بيت يسكنه أيتام، ليس المطلوب منه أن يسعى عليهم ولكن فقط، أن يعيش بينهم ليتعرف على معاناتهم، أن يشعر بِهَمِّ الحصول على وجبتهم القادمة، لا نقول احتياجات الشتاء والصيف، أو بقية النفقات الاعتيادية للإنسان العادي، فقط هي معاناة الطعام والشراب، أن يعيش مرارة انتظارهم للأم التي خرجت تسعى عليهم منذ الصباح، فإذا بها تعود لترتاح قليلًا حتى تواصل الرحلة من الغد، بإمكان أحدكم أن يذهب إلى أحد المشفيات، فيتخيل نفسه يحمل ولدَهُ المريض، ولا يحمل ثمن حجز سرير ولا ثمن دواء، نريد أن نرى رد فعله بعدما تعرض للإهانة والطرد لعدم امتلاكه المال، نريد أن نرى شعوره بالقهر والذل أمام ولده، ثم الحزن والنقمة على كل شيء بعدما مات ولده، نريد من أحدكم أن ينام لدقائق على شيزلونج، وكأنه ذهب ليبيع جزءًا من جسده ليجد مخرجًا بعيدًا عن ذل السؤال، نريد أن نرى نظرته لطبيب تجرد من الرحمة والإنسانية وهو يمسك بالمشرط حتى يقطِّع لحمه، بإمكان أحدكم أن يذهب لأحد الشواطئ ليلًا، وليتخيل أنه بعد ساعات سوف يكون على ظهر مركب يحمله إلى المجهول، فإما أن يكون طعامًا لأسماك البحار، أو أن يصل إلى حيث تضيع الكرامة، بإمكان أحدكم أن يذهب للعيش، ولو ليوم واحد، وسط أماكن الصراع المسلح وليستمع إلى أصوات الطائرات والمدافع والقنابل، نريد منه أن يتعرف على معاناة الأطفال والنساء والشيوخ، نريده أن يستمع إلى صرخات الحسرة التي صدرت من امرأة مكلومة فقدت زوجها أو ابنها أو أخاها تحت أنقاض الحروب، بإمكان أحدكم أن يعيش مع أسرة قام ربُّها بعرض بعض أولاده للبيع كي يتمكن من الإنفاق على الباقين، بإمكان أحدكم أن يحمل زجاجة بها شيء من البنزين، ليذهب إلى مكان شكواه فيصب ما بها على جسده، ثم ليتخيل أن النار بدأت ترعاه، وما فعل ذلك إلا لأنه علم أن النار صارت أرحم به من الرعاة، أيها الحكام، هل فكرتم يومًا في الأسباب التي تدفع الشباب إلى إدمان المخدرات؟ هل فكرتم في بحث مشاكلهم بجدية حتى لا يهربوا من عالمكم هذا؟

-أيها الحكام، ما قدمته إليكم ما هو إلا نقطة في بحر المعاناة والذل الذي تشرب منه الشعوب في كل يوم، أيها الحكام، نحن لا نريد أن نسطو على عروشكم أو سلطانكم، فقط نريد منكم العدل.

-أيها الحكام، إن مُلكَكم زائل، فلو أنها دامت لأحد لدامت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، اسمحوا لنا أن نذكركم بقول الله عز وجل:

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم «يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ، لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ»، «الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ».

-أيها الحكام، لا تستمعوا إلى بطانة السوء الذين يبررون لكم الطغيان والظلم، فسوف تتبرؤون منهم كما أنهم سيتبرؤون منكم يوم القيامة، قال الله: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم «إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ، وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا  كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ».

-أيها الحكام العرب، أنتم الرءوس، ولا يَصلُح الجسد إلا بصلاح الرأس، أيها الحكام، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ عَادِلٌ وَأَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ وَأَبْعَدَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ جَائِرٌ»، أيها الحكام، هل تحبون الله؟ أيها الحكام، هل تصدقون الله ورسولَه؟!

-أيها الحكام، قلنا ما عندنا ونسأل الله أن يمُنَّ عليكم بشيء من رحماته حتى تتحولوا إلى رحمة فيما بينكم، ثم على شعوبكم التي تحمَّلَتْ منكم ما لا طاقة للجبال على تحمله.

والسلام على من اتبع الهدى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد