الحاج عبدالكريم (عبدي ورابة)
إن كلمة «أصعب أنواع الاشتياق الاشتياق لمن تحت التراب»، هي لحظة نعيشها في فرحتنا العيدية – نحن أبناء صوماليلاند- فقبل أسابيع استيقظنا جميعًا، على رحيل أحد ركائز السلام والإصلاح في القرن الأفريقي، الحاج عبدالكريم حسين يوسف المعروف بـ(عبدي ورابي) فبالرغم من معاناته من المرض في السنوات الأخيرة، وبالرغم أيضًا أنه كان أكبر معمر في العالم، -حيث رحل رحمه الله عن عمر ناهز 122 عامًا- إلا أن خبر وفاته ترك غصة في قلوب محبيه، فقد بدأت عبارات النعي والرثاء على الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي الصومالية.


وتوالت أيضًا برقيات التعزية من رئيس الصومال السيد محمد فرماجو، ورئيس صوماليلاند السيد موسى بيحي، ورئيس بونتلاند السيد سعيد دني، ومن جميع دول الجوار، جيبوتي، وإثيوبيا، فلماذا كل هذا الاهتمام برحيل الرجل يا ترى؟ ،لا شك أن الرجل أحبه جميع الصوماليون، فلقد كان له كاريزما خاصة في مخاطبة المجتمع، حتى لخصه البعض، «بأمة كاملة في رجل واحد» «ومكتبة شاملة» في الأخلاق، من صبر، وحلم، وشجاعة وكرم، وفصاحة، وبعد نظر.

نعم كل هذه الصفات الحميدة وغيرها، كانت حاضرة بثبات في شخصية الحاج رحمه الله، والأهم من ذلك كله أنه كان يعمل جاهدًا على استتباب الأمن والأمان، وكافح من أجل تحقيقه، وقام على توفير أسباب جلب الأمان، ومنها إصلاح ذات البين.

في ذكرى رحيله هناك قصة مشهورة في حياته، حصلت بينه وبين قاتل أبيه، -الذي كان شيخ القبيلة آنذاك- حيث قرر أخذ الثأر لأبيه، كتقليد متوارث للقبائل الصومالية، حيث حمل السلاح إلى أن وصل إلى الرجل الذي قتل أباه وهو لا يعرفه، فآواه من عاصفة مطر رعدية شديدة، وضيفه بأحسن ما عنده، حتى نادى القاتل وقال له: أما تعرفني؟ فقال له: لا، فقال: أنا ابن القتيل الذي قتلته، وجئت بأخذ الثأر، ولكن غيرت رأيي بعد ما ضيفتني، وأحسنت إلي، فخذ السلاح وزوجني بنتك، فذُهِل الرجل، وتعجب من حسن فطنته وحلمه، فزوجه بنته وأنجبت له أولادًا كثيرين.

ويجيب الحاج حين سأله الصحفي، ما هو السبب بطلب يد بنت قاتل أبيك؟ فقال: ثأرت للحسنى ضد الأسوأ، واخترت الوئام وسلام الشجعان، البديلين للحرب المستمرة والضغينة.

والمعروف أيضا رحمه الله أنه كان يرفض الثورة ضد نظام سياد بري الديكتاتوري العسكري، وذلك بمعرفته طبيعة النظام، وأنه سيجابههم بالحديد والنار، حتى أدركوا بعد نظره بعد ما فات الأوان، وحصل من الحروب الأهلية ما حصل، وخرجت الأمور عن السيطرة.

من أقواله رحمه الله: أرفض أن أكون شاهدًا على طلاق امرأة، لأنه هدم أسرة، وأن أويد مجابهة الدولة بالسلاح، لأنها فعلاً ستؤول بالفوضى.

وقال أيضا: بتجربتي الشخصية، إذا رأيت شخصًا ينادي بالحرب فاعلم أنه جبان كبير.

لقد خسر الصوماليون، وخسر المصلحون، برحيل الحاج الذي استحق حقا جائزة نوبل للسلام، فلقد كان صاحب كلمة يهابه الجميع، نعم أقولها لله ثم للتاريخ، كان رجل المواقف الصعبة، فهو رجل الحكمة والتوافقات، والرجل الذي يأتي بالحل المناسب الذي يرضي جميع الأطراف، حتى في الأمور الشائكة.

وأخيرا نقول مهما رحلت يا حاج عبدالكريم، ستكون ذكرياتك وكلماتك باقية في أذهاننا وأنت تحت التراب، ومهما فارقتنا فنحن سعداء في كل عيدٍ آت، لأنك سهرت لسعادتنا في حياتك، ولا نملك لك إلا الدعاء، فاللهم اغفر للحاج عبدالكريم وأجزه عنا وعن صوماليلاند كلها خير الجزاء.

قال الإمام الشافعي:

وأفضل الناس ما بين الورى رجل — تقضى على يده للناس حاجات

لا تمنعن يد المعروف عن أحد — ما دمت مقتدرا فالسعد تارات

واشكر فضائل صنع الله إذ جعلت — إليك لا لك عند الناس حاجات

قد مات قوم وما ماتت مكارمهم — وعاش قوم وهم في الناس أموات

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد