تحركات دبلوماسية غربية بدأت في الظهور مؤخرًا تجاه الملف اليمني، تعطيه أولوية خاصة عن باقي ملفات الصراع الأخرى في الشرق الأوسط، والتي يتم تحريكها وترتيبها وفقًا للمصالح الغربية في المنطقة.

يأتي هذا التحرك الدبلوماسي الملحوظ في ظل تصعيد عسكري كبير على الأرض، يشمل محافظات عدة؛ منها مأرب، والجوف شمالًا، وأبين، وشبوة، وجزيرة سقطرى جنوبًا، كذلك عودة طائرات التحالف بتنفيذ غاراتها الجوية ضد مواقع الحوثيين، والذي قوبل برد عسكري من قِبل الحوثيين، تم خلاله ضرب العمق السعودي بالصواريخ البالستية، والطائرات المسيرة بشكل مكثف؛ الأمر الذي دفع المنظومة الدولية بتحرك يبدو جادًا، وقد تتبنى خلاله سياسة جديدة للدفع بعملية السلام، واستئناف المفاوضات بين الفرقاء في حال أحسنت النوايا تجاه الملف اليمني، وإن كان خلاف ذلك؛ فإنها قد تكون مناورة سياسية غربية، تسعى من خلالها إلى تثبيت ودعم مخططات التقسيم الجغرافي، والسياسي المدعومة إقليميًّا.

وتمثل القمة البريطانية الألمانية السويدية المنعقدة في 30 يونيو (حزيران) المنصرم، وكذلك اللقاءات الأخيرة لسفراء أمريكا وبريطانيا لدى اليمن بمسئولين في الحكومة الشرعية، وقيادة التحالف، أهم هذه التحركات الدبلوماسية، والتي عقبها أصدرت الأمم المتحدة في العاشر من يوليو (تموز) الحالي، مسودة الاتفاق المعدلة، والتي تقضي بوقف إطلاق النار الشامل في جميع أنحاء البلاد فور التوقيع عليها، وكذلك فك الحصار عن الموانئ، وفتح المطارات، وصرف المرتبات، والبدء بمفاوضات سلام جديدة، وصولًا إلى تسوية شاملة.

لم يحظ اليمن بالاهتمام الدولي الحقيقي طوال ست سنوات مضت من الصراع الداخلي، وظل الدور الأبرز للأمم المتحدة هو السائد من خلال مساعي إتمام عمليات السلام بين الفرقاء، وكانت أبرز محطاتها هي:

  • مؤتمر جنيف في يونيو (حزيران) 2015م.
  • الوساطة العمانية أغسطس (آب) 2015م.
  • مفاوضات الكويت يناير (كانون الثاني) 2016م.
  • مفاوضات ستوكهولم الأخيرة في السويد ديسمبر (كانون الأول) 2018م.

وجميعها لم تلب تطلعات اليمنيين الذين باتوا يكتوون بنيران الحرب، والانهيار الاقتصادي، وانعدام أبسط مقومات الحياة، وكان مصير هذه المفاوضات هو الفشل كالعادة.
ويرى الكثير من المراقبين أن نتيجة هذا الفشل تأتي بسبب الاشتراطات المقدمة من طرفي الصراع أثناء المشاورات، والتمسك بوجهات النظر، وعدم تقديم التنازلات اللازمة لتنفيذ السلام.
كما أن مراهنة الطرفين على الحسم العسكري باعتباره ورقة ضاغطة يمكن أن يستفاد منها أثناء المفاوضات للحصول على مكاسب سياسية؛ جعل من المفاوضات أكثر تعقيدًا، حيث دفع الأطراف للمسار العسكري باعتباره حسمًا للصراع، وأبعدهم عن خيارات الحلول السياسية.

الأحداث الأخيرة أتت متسارعة بانهيارات عسكرية، كانت لصالح الحوثيين حيث تمكنوا من السيطرة الكاملة على المناطق الشمالية، وصولًا إلى محيط مأرب آخر معاقل الشرعية في الشمال، وإطباق الحصار عليها، إضافة إلى توسع كبير في القدرات العسكرية الحوثية، وامتلاكهم أسلحة نوعية باتت تهدد بها العمق السعودي؛ الأمر الذي دفع مندوب الأمم المتحدة «غريفيث» لزيارة مدينة مأرب في السابع من مارس (آذار) الماضي، قام فيها بلقاء شخصيات سياسية وعسكرية جديدة في محاولة أممية لتحييد مأرب، وتجنب سقوطها بيد الحوثيين، وجعلها في وضعية شبيهة بمدينة الحديدة؛ وذلك لما لها من أهمية سياسية واقتصادية، وقد يؤدي سقوطها إلى تغيير كبير في مسار مفاوضات السلام.

وفي المقابل انهيارات عسكرية متسارعة جنوبًا لصالح المجلس الانتقالي، والذي خسرت فيها الحكومة الشرعية العاصمة المؤقتة عدن، وكذلك لحج، والضالع، ومؤخرًا جزيرة سقطرى بيد قوات الانتقالي المدعومة من قبل قوات التحالف؛ حيث لعبت السعودية دور الوسيط بين الطرفين، وقدمت الإمارات الشريك الرئيسي في التحالف باعتبارها داعمًا رسميًّا للانتقالي، وهو ما وصفه الكثير من المراقبين بأنه مخطط خارجي، يسعى لتقسيم اليمن، وإزاحة شرعية «هادي» عن المشهد السياسي، واستبداله بقوى سياسية توافقية على رأسها المجلس الانتقالي، وهو حراك سياسي يحمل توجه فك الارتباط، وإنشاء دولة مستقلة.

ويأتي الدور السعودي الذي يتبنى وساطة سياسية بين طرفي الصراع (حكومة الشرعية والانتقالي) بالمشبوه على حد وصف الكثير من المراقبين والسياسيين في الداخل والخارج، حيث اعتبروا توقيع مؤتمر الرياض في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) 2019م غطاءً سياسيًّا للمجلس الانتقالي، وإعطاءه شرعية دستورية، وسياسية داخلية، ودولية، وتقديمة للعالم باعتباره شريكًا مهمًا ضمن القوى السياسية اليمنية، وهو ما يتنافى ويتناقض مع موقف التحالف العربي، الذي جاء لمساندة الحكومة الشرعية واستعادتها، والحفاظ على وحدة اليمن، وأمنه، واستقراره.

كل هذه التغيرات السياسية والعسكرية على الأرض؛ حفزت على ظهور دور سياسي غربي يساند الأمم المتحدة، لتحريك ملف مفاوضات السلام اليمني، وهو مؤشر لإحدى أمرين:

الأول: توجه غربي جاد لإحلال السلام في اليمن، وإخراج السعودية من تورطها في حرب اليمن، والوصول إلى تسوية سياسية شاملة، تشارك فيها كل القوى السياسية والمكونات، وليس بالضرورة أن تكون مبنية على المرجعيات الثلاث «مؤتمر الحوار الوطني، والمبادرة الخليجية، وقرارات مجلس الأمن» ولكن تُبنى على أساس إعادة بناء الثقة بين الفرقاء، وإيجاد النقاط المشتركة بينهم ليبني عليها مفاوضات تحترم وجهات النظر المتعددة، وتقدم المصلحة الوطنية العليا على كل المصالح الضيقة.

الثاني: مناورة سياسية غربية في تحريك ملف المفاوضات بين الفرقاء؛ لوقف التقدم العسكري شمالًا، حتى يتم تمكين الشريك الجديد للتحالف (المجلس الانتقالي) من السيطرة على معظم المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحكومة الشرعية، وكذلك إعطائه قوة سياسية أكبر من خلال إشراكه في المفاوضات المباشرة مع الحوثيين؛ وبالتالي يصبح قوة كبيرة في الجنوب، يضاهي قوة الحوثيين في الشمال، يمكن من خلالها تنفيذ مخططات التقسيم.

والمؤشر الثاني قد يكون الأقرب حيث إنه لا توجد أسباب مقنعة تفسر الدعم العسكري والسياسي للمجلس الانتقالي، والذي يحمل توجه التقسيم وإحلاله مكان حكومة الشرعية، غير المصالح الإقليمية والغربية في اليمن، التي تسعى لها هذه الدول، ولم تجد غير هذا المكون لتنفيذها، والذي أبدى استعداده لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، للحصول على الدعم الدولي، والاعتراف به ضمن القوى الفاعلة داخليًّا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السلام

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد