بدأت في قاعة الصداقة بالخرطوم اليوم الإثنين أولى الخطوات العملية لمحادثات السلام لمدة أسبوعين إكمالًا لمسيرة تحقيق السلام بين حكومة سلفاكير والمعارضة المسلحة التي يمثلها المهندس رياك مشار تينج. نظريًا يبدو أن فرصة السلام في جنوب الوادي باتت أقرب من أي وقت مضى، وأن هناك ظروف محيطة ومعطيات يمكن أن تدفع من تسريع مسيرة السلام. لكن مهما كان السلام قريبًا فإننا بالتاكيد تعودنا في بلاد العالم الثالث وتحديدًا في الماما (أفريقيا) أن نتفاجأ بالحرب حتى في أفضل أوقات السلام.

 

إن هناك الكثير من الأسباب المنطقية التي تدعونا للتفاؤل بحصاد ثمرة السلام في محادثات الخرطوم بين طرفي النزاع في جنوب السودان، ولو أننا استصحبنا هذه الأسباب في عجالة لبرز إلينا ما يلي:

الضغوطات الأمريكية على حكومة الجنوب والتلويح بفرض عقوبات على نظام سلفاكير في حالة عدم الوصول إلى صيغة سلام عاجل في البلاد.

فبعد انفصال البلد الوليد وعجز النظام عن قيادة البلاد إلى السلام والاستقرار، اعتبرت الولايات المتحدة الأمريكية أن هذا عجز بالنسبة لها باعتبار أنها هي من وفرت الدعم والمساعدة لانفصال الجنوب عن الشمال، فأرسلت الكثير من إشارات الندم، بالإضافة إلى أنها مررت رسائل عبر سفارتها في كل من الخرطوم وأديس أبابا بأنها تدعم وتحث على أي مفاوضات للسلام في الخرطوم بين طرفي النزاع.

 الضغوطات الاقتصادية على حكومة الجنوب

تعاني حكومة سلفاكير من توقف صادرات النفط وانهيار العملة، وللخروج من هذا النفق المظلم، كان لابد من طرق أبواب السلام مجددًا مهما كانت تكلفتها، مما يشكل دافعًا كبيرًا للتفاؤل بإحراز تقدم في عملية السلام.

إرهاق طرفي النزاع وإحجام الداعمين

لقد كان الإرهاق من قبل الطرفين جراء الصراع العنيف بينهما منذ العام 2013 مكلفًا بشكل كبير، مما أدى إلى معاناتهم، وأحجام أبرز من زكو نيران الفتنة وأولهم الدكتاتور الأوغندي موسيفيني.

حرص الخرطوم على تحقيق مصالحها الاقتصادية

بالتأكيد سوف تكون الحكومة السودانية أكثر حرصًا على تحقيق السلام في الجنوب، لكي تتمكن من استعادة رسوم عبور النفط والذي يشكل إضافة كبيرة للاقتصاد الذي يعاني من التضخم وانخفاض قيمة العملة الوطنية وشح الوقود، وفي ذلك تمتلك الخرطوم قدرًا من النفوذ لا بأس به خصوصًا على المعارضة برئاسة مشار.

إذن لو أن ما ذكرناه هو أسباب تدعونا للتفاؤل بتحقيق السلام والاستقرار في جنوب السودان، فمن المؤكد أن هناك أسبابًا أخرى تدعونا للتشاؤم من تحقيق سلام في البلد الذي يعاني ويلات الحرب منذ سنوات.

ومن أبرز هذه الأسباب الشياطين الثلاثة، وهؤلاء هم المستفيدون الأبرز من هذا الصراع الدامي، فهم يستطيعون أن يدفعوا كل عمرهم وحياتهم من أجل ألا يحدث أي تقارب بين سلفا ومشار، لضمان تحقيق مصالحهم الشخصية.

أول هؤلاء الشياطين هو الدكتاتور الأوغندي يوري موسيفيني، فهو يسيطر تمامًا على دولة الجنوب ويعتبره البعض الحاكم الفعلي للجنوب، له طموح السيطرة على الاقتصاد والحركة التجارية في جنوب السودان ويسعى لمنع أي تقارب محتمل بين جنوب وشمال السودان، حتى لا يفقد وضع قدمه في البلد الواعد اقتصاديًا، ويضمن عدم مطالبة الأخيرة بمنطقة قولو في الحدود الشمالية لأوغندا وهي بلدة غنية بالذهب والمعادن النفيسة ويسيطر عليها موسيفيني بالقوة فارضًا سياسة الأمر الواقع.

لقد كان من اللافت للنظر وصول موسيفيني لحضور المحادثات في الخرطوم، ومن اللافت أنه أيضًا غادر في عجالة بعد افتتاح المحادثات مباشرة بعد أن طلب من وزير خارجية السودان أن يعطي الكلمة أولا، وهو وضع غريب يشابه مغادرته بهذه السرعة، الرجل ألقى كلمة ركيكة ومبهمة أكد فيها أنه في الخرطوم لدفع عملية السلام، ولمن يعرفه يؤكد أن لسان حاله هو: إنه يعطيك من طرف اللسان حلاوة … ويروغ منك كما يروغ الثعلب.

وفي تقديري أن الرجل غادر القمة مغاضبًا بعد أن ظهرت صور من فعاليات المحادثات بينت التلاحم الكبير بين أطراف الصراع والقيادات السودانية التي تشرف على الحوار، وأن موسيفيني حساس جدًا من كل ما هو جميل للسودان والسودانيين وتاريخه يوضح هذا بصورة أكثر ايضاحًا.

ثاني الشياطين الثلاثة هو الجنرال أكول كور مدير الأمن الداخلي في جنوب السودان وصهر الرئيس سلفاكير، فهذا الرجل اليوم هو أقوى شخصية في جنوب السودان ويمتلك قدرا كبيرًا من النفوذ لا يمكن تخيله أبدًا، وببساطة هو الآمر والناهي في البلاد، كان إلى وقت قريب يتشارك النفوذ والسطوة مع قائد الجيش السابق فول ملونق، وبعد أن دبر له مكيدة وأورده مورد الهلاك، خلا له الجو تمامًا، ولأنه ضابط مخابرات يعرف جيدًا كيف يتحكم في الرئيس فيصور له تخيلات ويصنع له هالة كبيرة من الرعب، فيصدق سلفاكير لأنه أيضًا رجل لم يعط سعة من العلم، وهو أيضًا رجل مخابرات وجاسوس مخضرم يعاب عليه أنه متشكك وغير مطمئن، ضعيف جدًا أمام الصهر الرئاسي أكول كور الذي أصبح حين غفلة من الزمن رجل الساعة وسيد الأحداث بلا منازع وهو لم يتجاوز الثلاثينات من العمر، فالرجل سجل زيارة إلى أوغندا والتقى موسيفيني قبل أن يصل إلى الخرطوم بساعات لا يعرف سببها، لكن يفهم منها التآمر على محادثات السلام الجارية في الخرطومن ووجود مشار في الحكومة من جديد مؤكد خصمًا على نفوذ الشاب الثلاثيني الطامح في رئاسة البلاد.

الشيطان الثالث من هؤلاء الشياطين هو السيد مايكل مكوي وزير الإعلام، ظهر هذا الرجل ببيانات عدائية استبق بها محادثات الخرطوم وكأنه ينفذ واجبات أعدت سلفًا له، هذا الرجل يكنّ عداء عظيمًا لزعيم المعارضة، تظهر فيه المسائل الشخصية، كصوت عال من الصعب أن ينخفض.

ووفقًا لهذه الأسباب لو سألنا هل بات السلام وشيكا أم ان مسيرة الحرب ماضية؟ فهذا سؤال صعب الإجابة عليه، بيد أننا نميل إلى التفاؤل من أجل استقرار إخوة أعزاء يومًا ما شكلوا جزءًا عزيزًا من حياتنا، وكنا نشاركهم كل ما في الكون من صور المنى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد