يشهد الله أن قلبي قد انفطر، وصدري قد ضاق عندما علمت بما حدث لك، فما تعرضت له يضاهي إلى حد كبير ما تعرض إليه الشاب التونسي محمد البوعزيزي – رحمه الله- مع بعض الفروق، ولكن المأساة واحدة، فهو أضرم النار في نفسه بعدما هانت عليه نفسه التي تصدعت بعد صفعة الشرطية فادية حمدي، التي انتهكت كرامته على الملأ، وأنت الآخر صعبت عليك نفسك بعد رفض جهة عملك – إحدى الهيئات المرفقية- اعتماد طلب إجازة مرضية صادرة من التأمين الصحي، بل إن الأمر لم يقف عند هذا، فسرعان ما تطور تعسفهم معك، وتجلى ذلك في قيامهم بتهديدك بالنقل إلى مقر الكلية الجديد في أبيس بالإسكندرية، وهم يعلمون جيدًا أن راتبك – 1800 جنيه- لايمكن أن يغطي انتقالك إلى مقر العمل الجديد، لاسيما وأنت أب لولدين؛ أحدهما في الجامعة، والآخر في الثانوية العامة.

فعندما أثقلت الهموم كاهلك وازدادت ضبابية المستقبل بالنسبة لك ولأسرتك، هانت عليك نفسك وهرولت ناحية سطح المبنى، لكي تهددهم كما هددوك، فبينما هم لم يعبأوا بتهديدك كنت أنت تنحو ناحية اعتزال الحياة، والذهاب إلى بارئ الكون الذي بكل تأكيد سيكون رحيمًا بك أكثر من مخلوقاته، فكيف لا يكون رحيمًا بك وهو الرحمن الرحيم.

ما يقهرني أكثر وأكثر هي رواية صديقي – عن الحادثة- الذي كان يعرفك عن كثب؛ لأنه كان طالبًا في الكلية التي كنت تعمل فيها (عامل مدرج)، الذي قال ليّ إنك عندما اعتليت أعلى المبنى بقصد تهديد إدارة الكلية التي لم تتوان عن التعسف معك والنكاية فيك، بأن مشهدك المهيب؛ لم يحرك في رؤوسهم شعره، بل إنهم لم يتورعوا عن السخرية منك، قبل أن يغمى عليك بعد علو السكر – وأنت مريض سكر- بصورة مفاجأة، فسقطت على أثر هذا الإغماء من فوق المبنى قتيلًا، تاركًا لهم الحياة حتى يرتعوا فيها، ومجردًا أسرتك من صمام الأمان الذي كان يتلقى بدلًا منهم ضربات الحياة.

فإذا تحدثنا بصورة موضوعية، لا بد أن تسأل الإدارة عن تورطها بشكل أو بآخر في مقتلك، نعم، أنت ذو قيمة ولا ينبغي أن يترك المتورط بشكل أو بآخر حرًّا طليقًا، فإن كانت روحك البريئة ليست لها قيمة بالنسبة لهذه الإدارة فإنها لها قيمة ما بعدها قيمة في حياة أولادك وفي عيوننا، لذلك لن أسامح كل من ساهم في مقتلك حتى ولو كان بالصمت عما تعرضت له، فكيف لا يتضامن معك زملاؤك الذين اعتدت مؤاكلتهم ومشاربتهم، والكثير منهم في عمر أبنائك، وإذا صدقت رواية صديقي، كيف سمحوا لأنفسهم أن يحولوك إلى مادة مثيرة للسخرية، فبدلًا من أن يمدوا أيديهم إليك وأنت في مسيس الحاجة إليهم يفعلون فعلًا مشينًا كهذا، لا يمكن أن يرد عليه إلا بالقول تبًّا لهم ولتربيتهم ولأشكالهم ولأسيادهم، حتى ولو كانوا خائفين على لقمة عيشهم، أو ننددوا بعد ذلك بما حدث لك، فأين كانوا وأنت تسير بخطى مترددة ناحية اعتزال الحياة.

فإذا كان الصمت الذي خيم على الجميع بعد حادثتك لا يتلاءم مع فجيعتها إلا أنه يفسح الطريق لهذه التساؤلات؛ أين النائب البرلماني الذي من المفترض أن يعمل على تمثيل أهالي الدائرة؟ أين النائب البرلماني الذي يتقاضى مرتبه من الضرائب التي تقتطع من مرتبك ومرتبات أقرانك المحدودة؟ أين النائب البرلماني الذي يدخل في صميم اختصاصاته الرقابة على أعمال السلطات الإدارية المركزية، وما يندرج تحتها من سلطات إدارية لامركزية سواء أكانت محلية أم مرفقية؟ أين النائب البرلماني الذي يستمد شرعية سلطته منك كمواطن من مواطنين الدائرة؟ أين النائب الذي دعا له إمام أحد المساجد في نهاية خطبة الجمعة – في أول خطبة بعد انتهاء أعمال الصيانة- وذلك لأنه ساعد في تيسير إجراءات أعمال الصيانة في المسجد على حد زعمه؟

فبالرغم من أن هذا من صميم اختصاصه، بل إنه يتقاضى راتبًا ليس بالقليل لكي يقوم بمثل هذه الخدمات، فإن الإمام الهمام لم يتأخر في الدعاء له والثناء عليه بصورة جعلت أحد المصلين يقسم بأن وضوءه وقدسية المكان وقفا حائلًا بينه وبين إصدار أصوات من أنفه (أصوات إسكندرانية وفقًا لتعبير الكاتب بلال فضل)، والتلويح له بأصابعه بإشارات تخدش الحياء العام، في الوقت ذاته الذي لم ينبس ببنت شفة متعلقة بشكر العمال الذين تطوعوا للقيام بأعمال الصيانة في المسجد رغم أنهم من عمال اليومية، إلا أنهم منسيون حتى في الدعاء كما تعلم جيدًا، فأين التنديد الآن بما حدث لك من على المنبر مثلما يحدث في حالة الثناء عند القيام بواجب من واجباته في ثوب خدمة؟ أم أن الأئمة لا يتذكرون الأوضاع العامة إلا في الدعاء للمسؤولين الكبار تزلفًا وتملقًا لهم، وهذا بغض النظر عن وجهة نظر صديقي (الإمام المعمم) الذي قال إن العلماء قديماً قالوا إنهم لو كانوا عليهم أن يدخروا دعوة فمن المفترض أن تكون لولي الأمر، فعندما قاطعته وقلت له فإن كان فاسدًا، قال إن التنديد بفساده ينشر الفتن، فما دام الحد الأدنى من الدين قائمًا، والمتمثل في إقامة الصلاة فلا ينبغي على الإمام أن يندد بفساد أو يتهكم على أحد.

اعلم يا عم إبراهيم أن المتسبب في مقتلك، والذي وصفه لي صديقي بلفظ ما – نسأل عنه أنا وهو قانونًا لو أفصحت به هنا- وذلك لأنه كان يتعسف مع الطلاب والطالبات أيضًا، يعيش وسيعيش حياته، وكأن شيئًا لم يحدث؛ لأنه لا يقع على عاتقه ثمة مسؤولية قانونية بالنسبة له، وذلك لأن القاعدة القانونية قاعدة سلوك، فلا تكترث كثيرًا بالإنسانيات من ناحية أولى، وهذا ما ينتفي مع مطالبتي – الحالمة- في السطور السابقة، ولأن ضميره في سبات عميق من ناحية ثانية، لذا ففي الغالب أن حياتك الثمينة بالنسبة لأسرتك وبالنسبة لنا، والرخصية بالنسبة لمجتمع الذوات ذهبت أدراج الرياح، فلا يسعني إلا أن أقول لك سلام على روحك البريئة إلى أن نلقاك في يوم الجمع العظيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد