لقد أصبح تسارع وتيرة الأحداث الكبرى في منطقة الشرق الأوسط عبئًا على مراكز الأبحاث لتحليل ما يدور من احتجاجات شعبية مطالبة بمحاربة الفساد والعدالة الاجتماعية، كالتي تحدث في العراق ولبنان، إلى أخبار التحركات العسكرية بين حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج المدعوم عسكريًّا وسياسيًّا من تركيا ضد قوات خليفه حفتر المدعوم مصريًّا وخليجيًّا، فالقدر لم يكتف بذلك، فتم بالأمس الإعلان عن ما يسمى باتفاق السلام الفلسطيني الإسرائيلي برعاية ترامب.

فمنذ أكتوبر الماضي، اندلعت الاحتجاجات الشعبية ضد سياسات رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي مطالبة بمحاربه الفساد وتوفير الحياة الآدمية للشعب العراقي، الذي عانى ويلات الحرب وآن الأوان لينعم بمعيشة كريمة، وأغلب المناطق التي اندلعت بها الاحتجاجات هي مناطق بالصدفة شيعية المذهب لكونها مناطق فقيرة، ووقع المئات من القتلى والجرحى في اشتباكات مع الشرطة.

فما كان رد السياسة الأمريكية إلا أن تختار اغتيال المخطط الرئيسي لإيران في المنطقة، الجنرال قاسم سليماني، على أرض العراق، الذي أصبح ساحه تصفية حسابات للقوى الإقليمية، مما أدى إلى تأزم الوضع. فبدلًا من مساندة المحتجين السلميين، فضل ترامب المكاسب السياسية الانتخابية، وقتل المسؤول الإيراني الأول عن الأذرع الإيرانية الخارجية في المنطقه، كحزب الله في لبنان ومليشيات الحشد الشعبي في العراق. ووفق بعض التحليلات، فإن الإدارة الأمريكية تنتظر مشاركة باقي الأطياف السنية والكردية في الاحتجاجات الشعبية للضغط على الحكومة العراقية بتقديم استقالتها.

أما على الصعيد اللبناني، فيشهد أيضًا احتجاجات قوية ضد السياسات الاقتصادية للحكومه اللبنانية برئاسة سعد الحريري، بما فيها رفع أسعار المحروقات، وفرض رسوم على استخدام تطبيق «واتساب»، في خطوة اعتبرت بأنها شرارة الانفجار ضد الحكومة، على الجانب الآخر يعاني لبنان من هشاشة الوضع السياسي، نظرًا لوجود أطياف كثيرة وأحزاب أكتر تملك السلاح والمال، فضلًا عن نظام المحاصصة الطائفية الذي أهلك لبنان على مدار عقود.

تشكيلة الحكومة الجديدة خيبت آمال قطاع من اللبنانيين ممن كانوا يطالبون بتشكيل حكومة تكنوقراط إنقاذية، واختار عدد من المحتجين اللجوء إلى وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن رفضهم للحكومة الجديدة تحت رئاسة حسان دياب، هذا وتكتفي إدارة ترامب بمساندة المتظاهرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأعرب وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو عن عدم مساندة أي حكومة تنتمي لحزب الله اللبناني المدعوم من إيران.

في كلتا الحالتين السابق ذكرهما، نرى حربًا ضروسًا بين القوى الإقليمية والعالمية، فيظهر التدخل الإيراني واضحًا عبر أذرعها العسكرية بالمنطقة لبسط نفوذها ونشر المذهب الشيعي في العراق وسوريا ولبنان، ويساندها في ذلك الموقف الدب الروسي، في محاوله منه لإعادة الاتحاد السوفيتي مجددًا أمام النفوذ الأمريكي.

إن السياسة الخارجية تحت إدارة الرئيس ترامب تتسم بالبراجماتية، على عكس مثيلتها من الرئيسين جورج بوش الابن وأوباما، فإدارة ترامب يغلب عليها المصلحة المادية أكثر ومبدأ «لنراقب الوضع من بعيد ومساندة حلفائنا إذا لزم الأمر»، ولكن عدم إشراك الولايات المتحدة في أي عمل عسكري مباشر، لتفادي تكلفة التحرك العسكري المادي واللوجسيتي.

مثال على ذلك قرار ترامب بسحب القوات الأمريكية من سوريا، وهو الأمر الذي لاقى معارضة شديدة من الداخل الأمريكي، معللين بأن سحب القوات الأمريكية هو بمثابة إضعاف للوجود الأمريكي في المنطقة، وانتصار للموقف الروسي في حل كثير من القضايا، وخاصة السورية.

في وسط هذا التعقيد في المنطقة، يفاجئنا إعلان الإدارة الأمريكية عن لقاء ترامب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والإعلان عن خطة السلام «الخزعبلية» لتسوية القضية الفلسطينية، على عكس خطط سلام سابقة ومئات من جولات التفاوض بين الجانبيين الفلسطيني والإسرائيلي، أطل علينا جاريد كوشنر، مستشار الرئيس ترامب وزوج ابنته إيفانكا، بأن خطة السلام هذه هي المنقذ والحل الوحيد لهذه القضية.

وفي إجابة على سؤال: ما الذي يجعل هذه الخطة تنجح وسط فشل خطط السلام السابقة؟ رد كوشنير بإجابة مختصرة، نابعة من خلفية رجل أعمال، وهي الحافز الاقتصادي للشعب الفلسطيني، وهو إقامة مشاريع باستثمارات كبيرة لتحسين أوضاع الفلسطينين، فالأموال والجانب الاقتصادي هي السمة الغالبة على سياسات الإدارة الأمريكية حاليًّا.

ولكن السؤال الذي يطرح من قبل كثيرين: هل هذا التوقيت فعلًا هو التوقيت الحاسم لحل القضية الفلسطينية في شرق أوسط لا يعلم معالمه إلا الله؟ هل خطة السلام تخدم فعلًا مصلحة الفلسطينيين؟

أزعم بأن التوقيت لا يخدم إلا ترامب ونتنياهو فقط، ففي هذا التوقيت تجري محاكمة الرئيس ترامب في مجلس الشيوخ بتهم عرقلة عمل الكونجرس، واتخاذ إجراءت غير دستورية بوقف مساعدات لدولة أوكرانيا للتحقيق في تهم فساد تطال ابن المرشح المحتمل للرئاسة الأمريكية وغريم ترامب القادم جو بايدن.

وهذا ليس بجديد، فأعتقد أيضًا أن خطوة مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني، وزعيم تنظيم الدولة أبو بكر البغدادي، تأتي في إطار الدفاع عن الرئيس ترامب، ولتحقيق مكاسب انتخابية وسط أجواء محاكمته.

أما على الجانب الإسرائيلي، فيتعرض رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو لتهم فساد قد تضر بمستقبله السياسي رئيسًا للوزراء، وهو ما دفعه إلى تحقيق أي مكسب سياسي زائف لحفظ ماء الوجه في الانتخابات المقبلة.

إذن، خطة السلام او ما يعرف بـ«صفقة القرن»، ما هي إلا خطة إنقاذ لصانعيها وتحقيق مكاسب داخلية، وليسطر التاريخ أنها حدثت في عهد ترامب ونتنياهو.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد