كانت حرب عام 1967، أو حرب الأيام الستة، حربًا جاءت بعد عواقب جيوستراتيجية وسياسية هائلة. وكانت منطقة الشرق الأوسط، هي الساحة التي لعبت بها، وما تزال أصداء هذه الأحداث محسوسة في المنطقة وخارجها. حيث إن إسرائيل قد تحولت في هذا الوقت، والعرب ما زالوا بيتًا منقسمًا، والسلام ما يزال بعيد المنال. وأصبح للصراع بين الهويات العربية واليهودية على الأرض الفلسطينية، لها بعد إقليمي ودولي. حيث نضجت علاقات إسرائيل مع العديد من الدول القومية، ونجد أصول هذه العلاقات في أعقاب حرب عام 1967 بين إسرائيل والدول الثلاثة مصر وسوريا والأردن. وبدأت مكانة إسرائيل بالتحول في العلاقات الدولية، وهذه العلاقات التي ينبغي دراستها.

في الفترة التي سبقت حرب عام 1967، كانت الأحداث تتحرك بطريقة يمكن وصفها بأنها سريعة وغاضبة. ومع توجيه الإسرائيليين للسوريين في نيسان (أبريل) 1967، كان عبد الناصر تحت ضغط لاستعادة هيبة العرب، عندما حذره السوفيت في مايو (أيار) الماضي، من أن إسرائيل تخطط لغزو سوريا. ردّ ناصر بمطالبة قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة بمغادرة شبه جزيرة سيناء، وبدأ في حشد القوات في صحراء سيناء. ومع عدم ورود أي رد فعل إسرائيلي، أغلق ناصر بعد ذلك مضيق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية، في 22 مايو، وتحدى إسرائيل الدخول في صراع. انضم الرئيس العراقي عبد الرحمن الجميلي إلى هذه التهديدات الموجهة ضد إسرائيل، وفي ظل هذه الظروف المخففة، شنت إسرائيل ضربة وقائية صباح يوم 5 يونيو (حزيران) 1967، بـ«عملية التركيز». وببساطة لم يكن أمامها خيار سوى فعل ذلك.

وبعد ستة أيام، خرجت إسرائيل منتصرة ضد قوات الدفاع المصرية والأردنية والسورية، وشملت مكاسبها الإقليمية، شبه جزيرة سيناء، وقطاع غزة، والضفة الغربية لنهر الأردن، والقدس الشرقية، ومرتفعات الجولان. ومن الواضح أن هذا لم يكن متوقعًا لدى إسرائيل بهذا الانتصار، حيث كان من المفترض أن تكون هذه الضربة فقط لمدة 48 ساعة لتحييد مصر وليس أكثر من ذلك. وقد سارعت كل من إسرائيل ومصر إلى التعامل مع الأمم المتحدة في تتابع سريع، عند اندلاع الحرب، وأسفر قرار الأمم المتحدة رقم 242 بعد أسابيع عديدة من الحرب، في نوفمبر (تشرين الثاني). وفي أعقاب الحرب، لا يمكن في الواقع تحليل العلاقات الدولية لإسرائيل بطريقة خطية حيث تميل الأحداث والعلاقات إلى التناغم والتلاقي والتباعد في نفس الوقت. ومن الواضح أن إسرائيل كبلد مرت بتجربة تحويلية من الداخل والخارج بعد هذه الحرب. فقد تجاوزت المرحلة التي كانت تكافح فيها للحفاظ على سلامتها الإقليمية في عام 1948، إلى مرحلة حققت فيها نصرًا حاسمًا، وهذا كان بمساعدة أمريكية وتسليح فرنسي. مع السيطرة على شبه جزيرة سيناء، التي تطل على قناة السويس، وتدخل السوفيت لتعزيز دعمهم للمصريين، أصبحت إسرائيل الآن لاعباً في الحرب الباردة عن غير قصد. ومن كونها في وضع اعتبرته فيه الولايات المتحدة عبئًا، أصبحت إسرائيل الآن رصيدًا ضروريًّا مهمًّا وتأثيرها في الصراع العربي. وبعد أن أثبتت العلاقات الأمريكية الإسرائيلية قوتها العسكرية، خضعت لتغيير كبير، في الوقت الراهن، كانت هذه العلاقة ذات فائدة محتملة. وكان هذا أبعد ما يكون عن عام 1956 عندما وصفت أمريكا إسرائيل بأنها معتدية عندما هاجمت مصر كجزء من اتفاق سري مع بريطانيا وفرنسا.

وبالتالي، اتخذت العلاقة التكافلية بين الولايات المتحدة وإسرائيل مسارًا تصاعديًّا عاماً مع بعض فترات التهدئة. وحتى الحظر النفطي الانتقامي المفروض على الغرب، من قبل العالم العربي بعد حرب يوم الغفران، لم يعرقل هذه العلاقة، واعتبر ريجان إسرائيل أحد الأصول الاستراتيجية، في عام 1979. وكانت إسرائيل الآن مستفيدة من الإمدادات العسكرية الكبيرة وتعامل على أنها، كوكيل للولايات المتحدة في المنطقة. بعد نهاية الحرب الباردة، لم تعد إسرائيل وكيلًا للولايات المتحدة بل شريكًا استراتيجيًّا. ومنذ ذلك الحين، بدءًا من إدارة كلينتون، وكان الدعم لإسرائيل واضحًا، حيث تجاوزت رئاسة ترامب مجرد إعادة التأكيد، وهو الفهم الضمني للإيمان بين البلدين، بأن مخبأ التسلح النووي الإسرائيلي لن يكون أبدًا موضوعًا للمناقشة ولن يكون هناك أي حديث عن التوقيع على معاهدة عدم الانتشار.

وهناك علاقة رئيسية أخرى تؤثر في وجود إسرائيل ذاتها، في الإطار الزمني نفسه، كانت واحدة من التحديات الشديدة وما تزال حتي الآن. في وقت حرب عام 1967، التي رعتها جامعة الدول العربية، كانت منظمة التحرير الفلسطينية موجودة بالفعل، وكان تدمير إسرائيل أحد أهدافها. بعد الحرب، اكتسب الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وفتح الهيمنة داخل منظمة التحرير الفلسطينية، حيث قادوا الهجمات الكبيرة ضد إسرائيل التي كانت تمارس إلى المزيد والمزيد من العنف على مر السنين. وفي 1993 فقط، مع اتفاق أوسلو، اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بحق إسرائيل في الوجود والقبول، وقراري الأمم المتحدة 242 و338، وإسرائيل بدورها كانت ستنسحب من الأراضي الرئيسية، وكان على منظمة التحرير الفلسطينية أن تحكم أجزاء من غزة وأريحا والضفة الغربية. وقد أدت عملية السلام هذه إلى اندلاع الانتفاضة الثانية، وأصبحت حماس الآن تسيطر على قطاع غزة في عام 2007، تاركة فتح مع الضفة الغربية. وعلى الرغم من أن فتح وحماس قد تصالحت، فإن إسرائيل تنظر إلى حماس بوصفها «كيانًا عدائيًّا» لأعمالها، واستغلال هذه الانقسام بين حركتي فتح وحماس، في استمرار بناء المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية التي اعتبرتها الأمم المتحدة غير قانونية (مجلس الأمن 446). وإن فكرة «الضم الزاحف» في الضفة الغربية تتعارض مع كل القوانين والآراء الدولية. ومن الواضح أن هذه الطريقة كانت لتأمين حدود إسرائيل، تاركة للفلسطينيين، رعاية قوة الاحتلال. وهناك ما يقدر بـ 141 مستوطنة يهودية في الضفة الغربية، وهناك أكثر من ثلاثمائة ألف فلسطيني قد شردوا. ولا شك أن عجز اسرائيل عن تجنب العنف وعجزها عن تبني حل الدولتين، قد جعلا السلام أمرًا بعيد المنال. وقد وصلت الأمور إلى ذروتها، وجعل الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، إعلانه عن بطلان جميع الاتفاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، نظرًا للتهديد بضم الضفة الغربية، من قبل إسرائيل.

وفي هذا التدفق الكامل للأحداث، فإن القدرة على التحمل المتناقضة لمجلس الأمم المتحدة 242، بوصفه «نقطة مرجعية محورية»، تبدو في البداية محيرة ومثيرة للاهتمام في الوقت نفسه. وقد اعتبرت إسرائيل تقبل القرار لأنها دعت الدول العربية إلى الاعتراف بها والعيش في سلام داخل حدود آمنة ومعترف بها خالية من التهديدات أو أعمال القوة. وقد قبلته مصر والأردن (منذ البداية) والدول العربية الأخرى الامارات والبحرين (في النهاية) لأنه كان يحتوي على بند يدعو إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي التي احتلتها في الصراع الأخير. ومع هذا القرار الذي اتخذه مجلس الأمم المتحدة، تغيرت المعادلة بين عشية وضحاها، وأصبحت إسرائيل «قوة محتلة». وتعمد اللورد كارادون وهو واضع قرار 242 عندما كان مندوب بريطانيا الدائم لدى الأمم المتحدة عام 1967، إدراج العبارات التالية «أن إسرائيل لن تكون مطالبة بإخلاء جميع الأراضي. الفلسطينيون مجرد مشكلة لاجئين يجب حلها، مع عدم مناقشة وضع الجنسية أو القومية، تركوا ليكونوا لاجئين «عاديين».

ومع مرور سنوات بعد قرار الأمم المتحدة 242، اشتبكت إسرائيل والعرب مرارًا وتكرارًا، في حرب الاستنزاف وحرب يوم الغفران، ولكن كان الأمر ينتهي بخروج العرب الأضعف، في كل مرة. وكانت مصر أول من صنع السلام مع إسرائيل في عام 1979 في إطار مبادرة الأرض مقابل السلام، وكانت عودة شبه جزيرة سيناء هي صانع الصفقات الرئيسية. وأعقب بعد فترة طويلة التسوية السلمية للأردن في عام 1994، حيث جرى ترسيم الحدود الدولية وتخصيص المياه من نهر الأردن ونهر اليرموك بين البلدين. وبعد ذلك، أصبحت الجامعة العربية غير فعالة على نحو متزايد بسبب تناقضاتها الداخلية، وقضايا مثل الجولان السوري. وكانت فلسطين، الخاسر الأكبر في هذه الحروب، وأصبحت مهمشة من قبل الدولة العربية.

وفي الختام، يمكن القول إن الكثيرين تحدثوا عن هذه الحروب كمحور أو نقطة تحول، ولكن قد يكون من الأصح والأدق وصفها بأنها نقطة ارتكاز، لأن إسرائيل هي التي تشكل الآن الرافعة التي تحول السياسة الجغرافية للمنطقة التي تسكنها. وحتى في الوقت الذي تحافظ فيه إسرائيل على نقاط القوة الجيوستراتيجية لمكاسبها من حروب، فإن العرب غير متحجرين في هذا الصراع العربي الإسرائيلي، والفلسطينيون محرومون من حقوقهم، أكثر من قبل، ومن الواضح أن إسرائيل نجحت في تحقيق هذا الهدف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد