ثورات الشعوب

يتسع مفهوم السلمية إلى حد يتجاوز المفهوم القريب من المعنى الظاهر للسلمية. فالسلمية هي إرساء لمنظومة القيم والمبادئ، التي تغير حياة الناس من الذل، والقهر، والاستعباد، والظلم، والطبقية المجتمعية، إلى حياة الكرامة، والحرية، والعدل، والمساواة، وتحرير الفكر والاعتقاد، هي رفض لكل أشكال تغييب العقل والاعتقاد، والفكر، وإفساح المجال للإنسانية أن تعيش كما خلقها الله – عز وجل- وكما أراد لها الحياة.

السلمية هي متلازمة الإنسان في وجوده، وحياته، وكيانه، وهي منهج للتحرر من كل ما يدعو إلى التخاذل والسلبية، وإضاعة الوقت، وإهدار الجهد.

وإذا تتبعنا حركة الإنسان وتطوره ورفضه السلمي لكل ما يصعب عليه حياته، نجد إرادة الإنسان في التحرر من جاذبية الأرض والطيران، شيئًا فشيئًا ينتقل الإنسان بسلميته الرافضة نحو اختصار الزمان واقتراب المكان؛ ليصير الكون كله قرية صغيرة تتفاعل مكوناته بطريقة عجيبة وسريعة، دعاة السلمية المفترى عليها عبر التاريخ أكثر نضجًا ووعيًا وعقلًا، من دعاة المواجهة المسلحة الراغبين في الدماء، العاملين على خراب الدول والأمم والشعوب. دعاة السلمية هم الأكثر تأثيرًا، وإنتاجًا وإعمارًا في حياة البشر من غيرهم أعداء الحياة وأعداء الإنسانية.

مفهوم التغيير السلمي يبدأ بالرفض «لا»

كانت أول كلمة فاصلة في تاريخ الإنسانية، ونقلة نوعية في مسار الثورة علي الواقع الذي كان يعيشه العرب قديمًا، قبل البعثة النبوية، جمع رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قومه ليخبرهم عن كلمة واحدة إن قالوها تغيرت حياتهم ومساراتهم، وكان لهم شأن عظيم بعدها!

ترقب القوم ما تلك الكلمة؟! فقال لهم قولوا «لا إله إلا الله محمد رسول الله» تفلحوا وتسعدوا، وتملكوا بها العرب والعجم؟

كانت تلك الكلمة هي الحد الفاصل بين مسارين مختلفين تمامًا، ولأن تلك الكلمة هي إرساء لفكرة ستتجذر في عمق التاريخ، وسيكون لها أثرها البالغ على مصالح اقتصادية وسياسية يديرها عصابة تتحكم في الاقتصاد، وتحتمي في معتقد باطل يحقق لهم مكاسب عظيمة، يمكن أن تزول من أياديهم بمجرد سريان تلك الكلمة بين الناس.

فكانت المواجهة شديدة، ولن يكون من السهل تمرير تلك الكلمة، ومعنى قبول الأشراف والأسياد وسماحهم بمرور آمن لتلك الكلمة، يعني بالنسبة لهم بداية زلزال لعروشهم وكروشهم، وتمرد عبيدهم، وضياع سمعتهم في العالم، وإحلال واستبدال فكرة محل فكرتهم التي لن يتخلوا عنها بسهولة، وكانت المواجهة الخشنة من أجل قطع الطريق ووقف مد جذور تلك الفكرة الوليدة.

ولأن تلك الكلمة قائمة على السلمية، ولا تنتهج مبدأ العنف في إقناع الجمهور بها، كان لا بد من مسلك هادئ يحافظ على تلك الكلمة ويغذيها ويساعدها في الانتشار الهادئ.

أطلق رسول الله – صلى الله عليه وسلم- شعار السلمية، وطلب من أتباعه عدم الرد مهما بلغهم من أذى، وعليهم الاحتمال والصبر حتى يتجمع الناس حول فكرتهم بحرية واقتناع، وحب وفهم وإدراك لمعاني «لا إله إلا الله»، بدأت تنتشر دعوتهم يومًا بعد يوم، أحدثت انقلابًا عظيمًا في حياة الكثير ممن اقتنع بتلك الكلمة، كانت بمثابة ثورة كاملة تبدلت بها كل الأحوال، وانقلبت الموازين، وتغيرت القيم والمبادئ والمعتقدات.

كانت عملية إحلال وتبديل سهلة وبسيطة وعميقة، لتغرس من القيم والمبادئ ما هو متناسق مع حياة الناس وفطرتهم، أبقت تلك الكلمة على العادات المتوافقة مع حياة الإنسانية، وهدمت كل ما يدعو إلى الاستكانة والرضا بالظلم، أو قبول العبودية، حررت تلك الكلمة كل العبيد، وأعطت للمرأة مكانها الإنساني الراقي، ولم يكن كل ذلك بلا ثمن أو بلا مقابل، ولم يكن التغيير السلمي المتدرج مجردًا من التضحيات والصبر والاحتساب.

ثلاثة عشر عامًا من الصبر وضبط النفس وعدم الرد على الاعتداءات التي يمارسها الطرف الآخر، من أجل استدراج هؤلاء للعنف ليجد مسوغًا للقضاء عليهم، لكن «صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة».

كانت هناك رؤية واضحة وأيديولوجية تتحكم في مسارات التغيير السلمي، ليس هناك ما يسمى بالخسائر لوضوح المسار بدايته ونهايته، فمن يُوضع تحت التعذيب فليصبر وله الجنة، ومن يشتشهد فإنه من الأحياء عند ربهم يرزقون، المواجهة المسلحة في تلك الفترة من عمر مسيرة التغيير ليس فيها تكافؤ، ومن ثم قد تؤدي إلى كارثة حقيقية بهلاك كل الأتباع، الرسالة واضحة والرؤية كذلك؛ لأنها تغيير كلي مرحلي ومتدرج يحتاج إلى ضبط النفس واستيعاب الآخر؛ حتى تتمكن الفكرة وتتجذر.
تجاوزت الفكرة المجتمع المكي وانتشرت في المدينة المنورة والحبشة. الانتقال بالفكرة من مكان إلى مكان آخر اختصر الزمان، وتسارعت القدرة على التغيير، وتمكنت الفكرة من إنشاء دولة تحميها وتنطلق بها في العالمين. الثورة السلمية المفترى عليها هي فكرة تنتقل وتنتشر، ولا يمكن لقوة أن تمنعها مهما كان جبروتها وبطشها. التدافع بين الأمم والتداول هو أصل قوام الكون كله؛ من أجل الحفاظ على الصوامع والصلوات، ومن أجل استمرار الحياة لا بد من سنة التدافع أن تعمل، لكن التدافع السلمي هو الأكثر نفعًا للبشرية، والأعظم أثرًا. وبناء عليه كيف نغير من واقعنا؟ وكيف لنا أن نقرأ معنى السلمية بصورة أوسع؟ وكيف لها أن تغير من واقعنا؟!

للحديث بقية وتفاصيل، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد