قد يختلف البعض، في أن طرق التعبير السلمي أمام آلة القمع والتنكيل، مجدية في الثورات وحركات التغيير، لكنني أعتقد أنها وسيلة من أقوى الطرق التي يخشاها المستبد ويسعى لوقفها. وبطرق شتى تسعى الأجهزة الأمنية القمعية، لكتم كل صوت حر ينطق كلمة الحق، وزجه في معتقلات مظلمة قاتمة، حتى يختفي من الوجود.

بين التساهل والتواطئ

وفي الوقت ذاته، ترى تلك الأنظمة شبه متساهلة أو متواطئة مع حركات الشذوذ والتطرف، ومصادر العنف والكراهية، التي من شأنها أن تشيطن الثورات وتظهرها بأنها طريق إلى الفوضى والدمار. كيف لا، وقد شاهدنا بأم أعيننا، عفوًا عامًا، أصدره رؤوساء دول عربية عديدة، بحق متطرفين، أصبحوا لاحقًا قادة للإرهاب والتطرف في العالم. أما أصحاب الأقلام الحرة والعقول النيرة، تراهم ملاحقين في كل مكان، حتى خارج أوطانهم، ومن لم يسلم منهم، ظل لسنوات معتقلًا مغيبًا ومختفيًا عن العالم الخارجي.

سوريا مثالًا

في سوريا، حرص نظام الأسد على تشويه الثورة وشيطنتها، بكل ما أوتي من قوة، عبر زج عناصر متطرفة بين المتظاهرين، تلعب أدورًا عدة في توثيق أسمائهم، وكتابة التقارير عنهم إلى الأفرع الأمنية، ومحاولة تثبيطهم، أو تشجيعهم على حمل السلاح وبث الفوضى. فضلًا عن ذلك حاول نظام الأسد زرع الشقاق والتفرقة فيما بين الثائرين، لتتحول راية الثورة الواحدة إلى رايات فصائل وقاعدة، ليس لها أي أصل في قضية السوريين الرئيسة بالحرية والكرامة. السلمية كانت ولا زالت إلى اليوم، مصدر استمرار الثورة، وستبقى الوسيلة الوحيدة الطاهرة، التي لم يستطع نظام الأسد إيقافها، بالرغم من كلّ مؤامراته مع دول أخرى، لتحريفها عن مسارها، إلى قضايا دينية وقومجية. وفي دول العالم العربي، ورغم الانقلاب في مصر، وممارسته الإجرامية وبالرغم من التشتت وزرع الفرقة والخلافات في اليمن، وبالرغم من دعم الانقلابيين ومثيري الفوضى في ليبيا، لم يكترث اللبنانيون والعراقيون، وخرجوا ليقولوا لا، ويعبروا بطرق سلمية، بأن الربيع العربي مستمر في كافة الفصول بالرغم من كيد الكائدين.

ما بعد كورونا

واليوم بعد أزمة كورونا، لازالت الطرق السلمية مستمرة، رغم انشغال العالم بالجائحة، والتفات الكثيرين إلى مصالحهم الخاصة، التي يبدو أنها بدأت تتضرر من هول المستجدات الأخيرة. وفي شهر رمضان وما قبله وما بعده، تخرج مظاهرات في الشمال السوري، تهتف ضد سياسات العنف والإجرام، من كافة الجهات الإجرامية في سوريا، وعلى رأسها نظام الأسد، وتؤكد على استمرار الثورة، وعلى صمودها، وتعيد ذكريات 2011، قد يختلف الحال ما بعد كورونا، وقد تعيد بعض الدول ترتيب أولوياتها، وهذا ما سيكون له الأثر الكبير، في التغيير، وتراجع نسبة المؤامرات بين الدول، لوقف حركات الشعوب وإرادتها بالحرية والكرامة.

أعتقد أن ملايين السوريين لو أتيح لهم لخرجوا، كما حصل في حماة، عندما أخطأت الأجهزة الأمنية (من وجهة نظر نظام قمعي إجرامي)، وسمحت للمتظاهرين بالتعبير السلمي، اعتقادًا منها أن ذلك قد يوقف الجموع الغاضبة. وليس الأمر مرتبطًا بالسوريين وحدهم، ففي لبنان والعراق وإيران خرجت ملايين الأصوات الحرة، تطالب العدالة والديمقراطية والمساواة، لتقول لا للظلم والاستبداد من أنظمة لاتعرف سوى التنكيل والغدر بشعوبها. لو أتيح للمصريين ربع ما أتيح للبنانيين في حرية التعبير، لخرجوا بالملايين لإسقاط ربيب الإمارات ووقف انقلابه، وإعادة المسار الديمقراطي إلى ثورة يناير، وكذلك الحال لليمنيين والتونسيين والجزائريين والليبيين، وكل الشعوب الحرة التي ترفض العبودية والعيش تحت سطوة السلطات الفاسدة.

رصاصة حق

الكلمة الحرة، والوسائل السلمية في التعبير، أشبه برصاصة حق في وجه المستبدين، يخشاها كل من لا يريد للظلام أن ينجلي وكل من اعتاد على العيش عبدًا للفاسد والمرتزق. ففي بعض المؤسسات الناتجة عن الثورات، وأبرزها سوريا، حدثت بعض ظواهر الفساد، الفردية والجماعية، من واسطات ومحسوبية وتسلط واستغلال، أعتقد أن كلمة الحق أكثر ما يخيفها اليوم. وأكثر ما يخيف هؤلاء، وغيرهم من المستبدين، أن تتحدث عن ظلمهم، وتقول لا لاستغلالهم، وتكون صاحب كلمة شجاعة وقلم لا يخشى لومة لائم، مع التأكيد على الالتزام بضوابط حرية التعبير وأخلاقياتها إلى جانب المصداقية والشفافية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد