شكلت العولمة بمفهومها جديد العديد من التغيرات التي طرأت على النظام الدولي منذ عام 2011، أين عرف العالم العربي مأزق الاستقرار والحفاظ على السيادة الوطنية في إطار تغيير الأنظمة السياسية، اتخذت الشعوب العربية مفاهيم متشابكة في أدبيات السياسة المقارنة (التغيير السياسي، الإصلاح السياسي، التحول السياسي الديمقراطي، الانتقال الديمقراطي) سعيًا منها لتحقيق النظام الديمقراطي، فانقسمت إلى اتجاهات منها: الاتجاه الإصلاحي الذي احتواه النظام السياسي وامتص شرارة الغضب نتيجة عوامل داخلية وتأثير العوامل الخارجية، ومنها الاتجاه الثوري سقطت فيه الدول في شبكة الصراعات والنزاعات الإثنية والقبائلية.

وهذا ما أدى إلى تغلغل العامل الأجنبي لبسط الهيمنة والسيطرة نظرًا للأهمية الجيو-سياسية والجيو-بوليتيكية التي تتمتع بها الدول، منها شكلت خريطة طريق جديدة لكسب رهان الربح أو الخسارة، برزت مقاربات جديدة وتضارب أبستمولوجي في مضامين المفاهيم التي احتوتها العولمة جديدة كآلية للخروج من العولمة بمفهومها التقليدي.

أصبح صراع اقتصادي ابتكاري بالدرجة الأولى، و هنا صورة جديدة بنظرة بعيدة من القوى الخفية بقوة عواملها المادية والمعنوية لقيادة العالم بتحالفات وعلاقات سلمية تحت غطاء «الصداقة» المتمثلة في الصين، في حين تأزم السياسة الداخلية الخارجية نظرًا لعدم مشروعية قيادة ترامب في الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي استدع مجلس الشيوخ إلى سحب الثقة من ترامب، مقابل نشر الأوراق على طاولة التحالف أو الانسحاب بين القوى الدولية (روسيا، تركيا، بريطانيا، فرنسا). ومن هنا يمكن طرح التساؤل: ما هي التوجهات والإستراتيجيات التي تتخذها الدول المتنافسة لتحقيق مكاسب القيادة العالمية في ظل جائحة كورونا؟

اتخذت الولايات المتحدة نمطية القوة والتنافس من منظور الواقعية الكلاسيكية، في حين كانت الصين سابقًا ضمن أطروحة الواقعية الهجومية، إلا أنَ الطرفين بحثًا عن سياسات وإستراتيجيات جديدة الأولى الحفاظ على الهيمنة وقيادة العالم، والثانية تسعى عبر شعوب العالم تموقع أساسي لكسب المعركة. حسب الدراسات والأبحاث الصادرة من المنظمات الدولية، والباحثين والمختصين في الشؤون الإستراتيجية، حاولوا البحث عن النظريات المناسبة في حقل العلاقات الدولية لتفسير والتنبؤ عن مستقبل الصين بعد 2020.

إن التكتلات الإقليمية والتبادل التجاري أصبح ركيزة أساسية لتفسير البعد العالمي من منظور القيادة، طرف بقوة اقتصادية وطرف بقوة ابتكارية تكنولوجية، فرض وجود طرفين في معادلة السباق الصيني والأمريكي، انبثقت منها بعد وسيط لحسم نتيجة الفوز من خلال جائحة كورونا، وهنا أخضعت العالم للرجوع للمفهوم الوستفالي من خلال اعتماد كل دولة على ذاتها لاحتواء شعبها وضمان بقائها، بدايات اللعبة بقراءة تقنية من الصين، ثم لتنقل للولايات المتحدة الأمريكية، لتعم مختلف أنحاف العالم، ولا يمكن فهم الصعود الصيني بتنمية وتحالف سلمي بدون الرجوع للخلفية التاريخية.

1. الخلفية التاريخية لبروز الصين كقوة جديدة في النظام العالمي جديد: اقتصاد هش مقابل الاعتماد على الذات:

الصين بلد كبير له تاريخ يمتد لأكثر من 5 آلاف سنة من الحضارة، وكان تاريخيًا في طليعة العالم في التاريخ. منذ العصور الحديثة، وقعت الصين في وضع خطير من الفقر والضعف، والمشاكل الداخلية والخارجية، وحتى البلاد. لطالما كان الشعب الصيني صارمًا، ويكافح للقتال، ويحلم دائمًا بالازدهار الوطني، والتجديد الوطني، وسعادة الشعب.

تحت قيادة الحزب الشيوعي الصيني، أقام الشعب الصيني الصين الجديدة على أساس المجتمع شبه الاستعماري وشبه الإقطاعي بعد صراعات شاقة، وتحقيق الاستقلال الوطني وتحرير الشعب، ودخلت الأمة الصينية حقبة جديدة من التنمية. على مدى السبعين عامًا الماضية، قام الشعب الصيني باكتشاف التقدم والمضي قدمًا بشق الأنفس، في تراث الأمة الصينية على مدى 5 آلاف عام من التاريخ والثقافة، استنادًا إلى الدروس المستفادة على مدى 500 عام من الاشتراكية و170 عامًا من انحسار الأمة الصينية من الرخاء إلى أكثر من 170 عامًا من التاريخ، في الممارسة العظيمة للبناء والإصلاح، تم فتح طريق الاشتراكية ذات الخصائص الصينية بنجاح، وجذبت إنجازات التنمية اهتمامًا عالميًا.1

تحسنت حياة الناس بشكل كبير. بعد جهود طويلة الأمد، يتجه الشعب الصيني نحو مجتمع رغيد الحياة من جميع النواحي، من الجوع والبرد، إلى حل الغذاء والملابس إلى الرخاء العام. وفقًا لمعايير الفقر الريفي الحالية، انخفض عدد الفقراء في المناطق الريفية في الصين من 770 مليون في عام 1978 إلى 16.6 مليون في عام 2018، وانخفض معدل انتشار الفقر في الريف من 97.5٪ إلى 1.7٪، وهو انخفاض بنسبة 95.8 نقطة مئوية. خلق معجزة في تاريخ الحد من الفقر البشري.2

أنشأت الصين في البداية أكبر نظام للضمان الاجتماعي في العالم مع أكبر تغطية سكانية، بما في ذلك كبار السن، والرعاية الطبية، والحد الأدنى من الأمن المعيشي، والإسكان، والتعليم ومجالات أخرى لكسب الرزق.

في نهاية عام 2018 بلغ عدد الأشخاص المشاركين في تأمين الوقف الأساسي للموظفين الحضريين على الصعيد الوطني 41.902 مليون، وعدد الأشخاص المشاركين في تأمين البطالة 19.63 مليون، وعدد الأشخاص المشاركين في تأمين إصابات العمل 237.74 مليون، وغطى التأمين الأساسي أكثر من 900 مليون شخص، وغطى التأمين الطبي الأساسي أكثر من 1.3 مليار شخص، تحقيق تأمين طبي شامل. قبل 70 عامًا، كان متوسط ​​العمر المتوقع للصين 35 عامًا، وفي عام 2018 كان 77 عامًا، وهو أعلى بكثير من متوسط ​​العمر المتوقع العالمي البالغ 72 عامًا. على مدار الـ70 عامًا الماضية، تغيرت النظرة الروحية للشعب الصيني بشكل عميق، وتم الترويج تمامًا للثقافة التقليدية الممتازة للأمة الصينية، وانتشرت القيم الصينية المعاصرة على نطاق واسع، وأصبحت الحياة الروحية للشعب الصيني أكثر ثراءً ونشاطًا. يظهر تقرير سبل العيش والرفاهية العالمي الذي أصدرته مجموعة بوسطن الاستشارية في الولايات المتحدة أن الصين قد ارتفعت 25 مكانًا في السنوات العشر الماضية، محققةً أسرع تقدم من بين 152 دولة شملها الاستطلاع.3

2. علمية السياسة العامة الصينية وفق العولمة جديدة: «العلم والعقلانية في ترشيد السياسة العامة»:

ترتبط السياسة العامة بسبل تحقيق المصلحة العامة للمواطن، وتؤثر جودتها بشكل مباشر على حياة الناس وتنمية المجتمع بأسره، وهي المفتاح لضمان الاستقرار على المدى الطويل للبلاد، بالإضافة إلى وجود أساس معين للرأي العام، يجب دعم السياسة العامة الجيدة بأدلة علمية كافية لتكون قادرة على إقناع الناس بالعقل، وبالتالي، فإن العلم هو حجر الزاوية المهم الآخر في «دمقرطة» السياسة العامة، وفي المؤتمرات الوطنية 16 و17 و18 للحزب الشيوعي الصيني، اقترحت قيادة الحزب الشيوعي الصيني تعزيز إضفاء الطابع العلمي على عملية صنع القرار الحكومي، ويمكن ملاحظة أن التنفيذ العلمي للسياسات العامة أصبح أحد المهام الأساسية للإصلاح الإداري الحالي للصين.4

إن عولمة السياسة العامة في الأساس كيفية استخدام «العلم» في عملية صنع القرار، ولكن حتى الآن، فإن كيفية استخدام العلم بشكل صحيح في عملية صنع القرار ليست الصين فقط، ولكنها أيضًا تحدٍ كبير يواجه إصلاح الحكومات حول العالم، في وقت مبكر من عام 1978.

أشار تقرير للمجلس القومي للبحوث بعنوان «المعرفة والسياسة: رابط غير مؤكد» إلى أن استخدام أبحاث العلوم الاجتماعية في عملية السياسة لم يكن جيدًا كما هو متوقع، بعد أكثر من 30 عامًا لا تزال الفجوة بين المعرفة والسياسة تصيب الكثير من العلماء. ويشجع تقرير مجلس البحوث الوطني للولايات المتحدة الأوساط الأكاديمية على إعادة النظر في دور العلم واستخدامه في السياسة: كيف يجب استخدام المعرفة العلمية بشكل فعال في سياق السياسة العامة ؟، هذا سؤال يجب الإجابة عليه في «السياسة العامة العلمية»، وهو أيضًا أساس لنا لاستكشاف السياسة العامة العلمية الحالية في الصين، كانت هناك العديد من الدراسات حول السياسة العامة و«التحول الديموقراطي» في الأوساط الأكاديمية الصينية ، ولكن النقاش حول «إضفاء الطابع العلمي على السياسة العامة الصينية» لا يزال ضعيفًا نسبيًا.5

3. تغيير هيكلة النظام العالمي: نحو التحالف والتنافس وفق العولمة جديدة

مع التطور المتعمق للعولمة، يتعمق الترابط بين البلدان، وتتزايد التحديات العالمية، وتتطلب بشكل موضوعي التحسين المستمر لقدرات ومستويات الحوكمة العالمية. في مجال التمويل الدولي، لعب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اللذان تم إنشاؤهما بعد الحرب العالمية الثانية، دورًا مهمًا. بعد نهاية الحرب الباردة، اندلعت الأزمة المالية الآسيوية لعام 1997 والأزمة المالية العالمية لعام 2008؛ مما يشير إلى أن الترتيبات المؤسسية الأصلية في المجال المالي الدولي كانت غير قادرة على تلبية احتياجات التطور السريع للعولمة، وهناك حاجة ملحة إلى الإصلاح.4

في أبريل (نيسان) 2010 وافقت لجنة التنمية التابعة للبنك الدولي على مرحلة جديدة من خطة إصلاح حقوق التصويت، زادت حقوق التصويت الصينية في البنك الدولي من 2.77٪ إلى 4.57٪، لتصبح ثالث أكبر مساهم في البنك الدولي، في نوفمبر (تشرين الثاني) من نفس العام.

اعتمد المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي خطة إصلاح لزيادة حصة البلدان النامية ممثلة بالصين. ومع ذلك، لم يمرر الكونجرس الأمريكي مشروع قانون الإصلاح حتى عام 2015 بسبب مخاوف من اكتساب الأسواق الناشئة صوتًا أكبر بعد الإصلاح. بدأ المؤتمر الوزاري الرابع لمنظمة التجارة العالمية في نوفمبر 2001 جولة الدوحة للمفاوضات التجارية، وكان من المقرر أن تنتهي المفاوضات قبل الأول من يناير (كانون الثاني) 2005. لم يتوصل الأعضاء إلى توافق في الآراء حتى الآن، بل إن منظمة التجارة العالمية نفسها وقعت في صعوبات خطيرة. في مجال الأمن الدولي، بعد حادثة «11 سبتمبر»، شكلت التهديدات الأمنية غير التقليدية التي يمثلها الإرهاب تحديًا خطيرًا للأمن الدولي. تستخدم الدول الغربية، بقيادة الولايات المتحدة، العنف لقمع العنف وتوسيع مصالحها الخاصة؛ مما يؤدي إلى عالم من «المزيد من مكافحة الإرهاب».5

في نهاية عام 2010، اندلع «الربيع العربي» في الشرق الأوسط، مع تغيير الحكومة في تونس، ومصر، وليبيا، والحروب الأهلية الأخرى في اليمن وسوريا، وبعد ذلك، انتشر «الدولة الإسلامية» من خلال الفوضى الإقليمية، ووقعت السعودية ودول أخرى في الحرب الأهلية في اليمن، التزمت الولايات المتحدة بعقلية الحرب الباردة، وجعلت روسيا والصين عدوين خياليين، ومن خلال توسع الناتو شرقًا، وخلق «ثورة ملونة»، وإطلاق «حرب تجارية»، أصبحت لعبة القوى العظمى تتصاعد.6

إن الرهانات جديدة التي فرضت على القوى الدولية إعادة هندسة سياساتها الداخلية والخارجية، بداياتها بالانتقال الديمقراطي الذي تغلغل في السياق المجتمعي العربي، مقابل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وما تمخضت عنها من نتائج، أفسحت المجال للولايات المتحدة الأمريكية ومختلف القوى الدولية الأخرى النظر في تقنية الفوز بقيادة العالمية من خلال وضع خريطة سياسية لتقسيم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مقابل محاولة إضعاف وتهديد إيران بما تمتلكه من أسلحة تهدد وتشكل خطر على المستقبل الأمريكي، شكل الصراع بينهما تهديدات عديدة منها اغتيال «فيلق القدس قاسم سليمان» جنرال إيران الذي يعتبر قائد الحرية في البلد المثير للقلق في المنطقة، لقد وصف بالرجل المحارب في الحروب الإيرانية بالوكالة، وبالضبط في سوريا، والعراق، واليمن وغيرها من النزاعات.

لتنتقل الولايات المتحدة الأمريكية بخطابات ذات دلائل عدائية بينها وبين إيران لرد الاعتبار، ومنذ ذلك حين لم تدرك الولايات المتحدة الأمريكية خطورة السلام العالمي المعولم بقيادة الصين بتفكيرها الإستراتيجي القوي في كسب رهان القيادة العالمية من منطلق سياسة «التنمية العالمية السلمية» وبقيت الولايات المتحدة الأمريكية ضمن معادلة التحالف التعددي المهيمن بالقوة والتنافس والصراع، في حين بقيت دول أخرى ذات التحالف «صديق» أم «عدو» ترسم خريطة توجهاتها ضمن سياسة عامة رشيدة بما يحقق مصالحها العامة، تركيا وروسيا واليابان.

فسرت معادلة البحث عن النتيجة في الصراع والنزاع الليبي بين حكومة الوفاق الوطني وقيادة حفتر، ظهرت فيها خلافات غربية وعربية، وكانت من بين الدول ذات توجه ثابت هي الجزائر التي تزعمت القيادة المغاربية ذات النزاع المختلط بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، إلا أن الصراع الذي شكل تهديدًا على دول الجوار، حاولت الجزائر ضمن مقاربتها الدبلوماسية المحنكة بتطبيق مبدأ الحوار وعدم التدخل، بالرغم من ولوج إلى تغرادات وأقوال وتحليلات واتهامات بأنها تدعم حكومة الوفاق، وكانت تركيا الدولة الوحيدة المساندة مع توتر العلاقات مع مصر ودول الخليج العربي، التزمت الجزائر بسياستها الثابتة بمبدأ الحوار.

في الوقت الذي تتصارع فيه الدول حول كسب «الصداقة» بين الأطراف من أجل الهيمنة على الاقتصاد، تلقى العالم ضربة قوية «بجائحة كورونا»، هنا أدركت الصين بأن العالم يتوجه نحو نظام عالمي جديد لا نقاش فيه، اتخذت مبدأ «السلمية» كآلية لرد الاعتبار للدول الصديقة ومنها الجزائر، لأن معظم الشركات الصينية توجد في الجزائر.

خلال تتبع مسار وقوع العالم في أزمة مالية في انهيار أسعار النفط، «الصين» تلعب دور «الصديق الحنون» بتقديم المساعدات بدون مقابل حتى تكسب رهان المعركة، وهنا تنطلق باخرة الجزائر ضمن أجندة السياسة الصينية في زمن «جائحة كورونا معولمة»، الأمر الذي استدعى الى قلق بين الأطراف المتنافسة «فرنسا» التي لم تتجاوب وتتقبل الشراكة والتعاون الثنائي الصيني الجزائري، خاصة وأن الصين تخطت خط الاقتصاد المهيمن، وإنما البعد الابتكاري الإبداعي.

أصبحت «جائحة كورونا» مصدر تهديد وقلق لدى الولايات المتحدة الامريكية نظرا لارتفاع عدد المصابين والوفيات في العالم، بالرغم من محالة الخبراء والعلماء في مجال الصحة وعلم البيولوجيا لاختراع دواء جديد يقصي على هذه الجائحة، فضلا على ذلك سارع الرئيس الأمريكي «ترامب» إلى التهوين من حجم التهديد، وأصر على أن الأمور تسير على نحو جيد، وأنها تحت السيطرة، أطلق ترامب هذه المواقف، بالرغم من التحذيرات المتتالية التي كانت تصدر في الوقت ذاته عن خبراء ومسؤولين في مجال مكافحة الأمراض العدية والأوبئة والأمن البيولوجي، وكان تقدير استخباري بعثه إليه مدير المخابرات الوطنية الأمريكية في يناير 2020، ولكن ترامب تجاهل التحذير واعتبر الامر مجرد «خدعة» ديمقراطية جديدة مثل «خدعة» محاولة عزله.7

خلال العامين الماضيين، سيطر الصراع بين الصين والولايات المتحدة على الجدل حول الأسواق الاقتصادية والمالية، قبل وصول الرئيس دونالد ترامب إلى السلطة، كانت التهديدات والاتهامات موجودة منذ فترة طويلة، وأصبحت هذه الكلمات الآن إجراءات. على مدى الأشهر الـ17 الماضية، شارك أكبر اقتصادين في العالم في أشد حروب الرسوم الجمركية منذ أوائل الثلاثينات. قامت الولايات المتحدة بتسليح سياستها التجارية واستهدفت شركات مثل Huawei مع ما يسمى التهديدات المحددة، وبالتالي توسيع جبهة المعركة، بالنظر إلى التقلبات والمنعطفات لهذه المعركة الملحمية بين أكبر اثنين من الشركات العملاقة الاقتصادية في العالم، هذه حرب صراع سياسي خاضت مع الأسلحة الاقتصادية، والتي من المرجح أن تستمر في المستقبل المنظور. وهذا يعني بالطبع أن آفاق السوق الاقتصادية والمالية تعتمد بشكل أساسي على المواقف السياسية للولايات المتحدة والصين.8

لذلك، فإن ما يسمى بالاتفاقية التجارية «النسخة الرقيقة» التي تم الإعلان عنها في 11 أكتوبر مع ضجة كبيرة هي إشارة سياسية مهمة. على الرغم من أن الاتفاقية لم يكن لها تأثير اقتصادي كبير حتى بعد الانتهاء منها، فقد أصدرت تلميحًا قويًا بأن ترامب سئم أخيرًا من هذه الحرب التجارية. مستهلكًا بسبب المشاكل السياسية الداخلية، وخاصة العزل من السلطة والانتخابات القادمة لعام 2020، من مصلحة ترامب إعلان النصر واستخدامه للتعامل مع القضايا المحلية، كما أن الصين حريصة على إنهاء الحرب التجارية. من الواضح أن العلوم السياسية لدولة الحزب الواحد مختلفة تمامًا، لكن القيادة الصينية لن تستسلم للمبادئ الأساسية للسيادة وطموحات الانتعاش والنمو والتنمية في منتصف القرن. في الوقت نفسه، لا شك في أن الضغط الهبوطي على الاقتصاد موجود بلا شك، لكن صناع السياسة الصينيين مصممون على تنفيذ حركة تخفيض المديونية في السنوات الثلاث الماضية، وهذا أيضًا عامل ذاتي مهم في التباطؤ الاقتصادي الحالي. يجب أن يكونوا أكثر حرصًا على حل الضغوط المتعلقة بالتجارة الناجمة عن الصراع الصيني الأمريكي.9

ووفق المؤشرات الظاهرة على طاولة التغيير العالمي الذي فرضته العولمة الجديدة، نجد الاتحاد الأوروبي قد تخلى دول أعضاءه على بعضهم البعض في تقديم المساعدات المادية لمواجهة جائحة كورونا، استغلت الصين وروسيا هذه الثغرة لتقديم المساعدات لكل من إيطاليا وهي بمثابة خطوة يمكن تفسيرها بأنها من أهداف إدخال الشك وعدم الطمأنينة لدول أوروبا. ويمكن تحليل سبب قضاء الصين على جائحة كورونا في ظرف قياسي وجيز هو طبيعة نظام الحكم السائد، لأن النظام الصيني نظام شمولي، استطاع بسياسته المحنكة التحكم في الوباء من خلال السياسات والإستراتيجيات والقرارات العقلانية في إدارة الخطر الذي خلف عديد من الخسائر البشرية، في حين إدارة ترامب بقيت في دائرة القرارات الارتجالية ونحو تفكير إستراتيجي نفسي لنفسي وهذا للحفاظ على القوة الاقتصادية بالدرجة الأولى دون مراعاة العوامل المعنوية.

في ختام دراستنا يمكن القول أن الإستراتيجية التي اتخذتها الصين في إطار التحالفات السلمية في البيئة الدولية فرضت عليها عدم اتباع المسار القديم للقوى العظمى التاريخية التي تعتمد على العدوان والتوسع لتحقيق صعودها وهو ما تتخذه السياسة الامريكية في التنافس التعددي، فالصين حسب التقارير الصادرة من جهاتها الفاعلة تتضمن سياسة الدفاع بطرق سلمية من خلال التنمية السلمية، أما من ناحية القضايا الإقليمية، تستمر الصين في تبني أسلوب الحوار والحفاظ على السلام العالمي، وتعارض استخدام القوة، وهذا ما أثبتته خلال دورها الريادي في قضية كوريا الشمالية، والقضية النووية الإيرانية، وأزمة سوريا والشرق الأوسط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد