يتعرض ديننا الإسلاميّ الحنيف منذ فترة ليست بالقصيرة لهجمة بربريّة بغضاء تهدف إلى تشويه صورة المسلمين في العالم، والإساءة لهم، ولمعتقداتهم، وطمس هويتهم، وكيانهم، وذلك عن طريق وضع العديد من الإستراتيجيات لتحقيق الأهداف التي يصبون إليها.

كان من بين أهم هذه الإستراتيجيات؛ تسخير وسائل الإعلام العالمية – العابرة للقارات – التي تهدف إلى بث السموم عبر مواد إعلامية مدروسة ودقيقة، أظهرت الإسلام على إنه دين عنصرية، والمسلمين ما هم إلا “إرهابيين” منغلقين على دينهم ولا يتقبلون الآخر.

عن طريق وسائل الإعلام، بدأت هذه الفئة “السياسية” الضالة،  في إيصال الرسائل المدسوسة ومنها: تحريف وتزييف تاريخ الإسلام والمسلمين، والعمل على إدخال التفرقة والعنصرية بين الطوائف المذهبية الإسلامية، وكذلك زرع الحقد والكراهية داخل المجتمع الواحد، وإضعاف الشاب المسلم عن طريق التأثير عليه بالشعارات الواهية والصيحات المخلة بالذوق العام، جنبًا إلى جنب تضخيم أفعال بعض “المتأسلمين” المدعين للإسلام، وتعمّد إبراز وتكرار كل ما يثار من افتراءات حول الإسلام والمسلمين.

في الحقيقة، لا حل لنا لدحض مزاعمهم وخططهم سوى عن طريق؛ العودة إلى أصول الدين والتمسك بالشعائر الإسلامية السامية، والعمل على إظهار ديننا بأفضل صورة، وأن نمثل الإسلام خير تمثيل في المحافل العالمية، بدايةً من شرق الأرض إلى غربها، شمالها وجنوبها.

ولنا مثال عن التعايش وتقبل الآخر للرد على الاتهامات الموجهة للإسلام على أنه دين عنصريّ،  بالصحيفة والمعاهدة التي أبرمها سيد الخلق نبينا محمد، مع اليهود، بالمدينة في السنة الأولى من الهجرة، وفي الواقع فإن هذه المعاهدة لها دلالات واضحة لما تضمنته من مواد تدل على سماحة الإسلام وعدالته المطلقة ومساواته بين البشر، ورغم الاختلاف في اللون واللغة والدين وقتذاك إلا أن الإسلام ضمن لهم الحقوق والحريات بأنواعها.

وقد أكدت المعاهدة على أن الحريات مصونة، كحرية العبادة والعقيدة والأمن والأمان والحقوق والواجبات، وحرية الدين مكفولة أيضًا «للمسلمين دينهم ولليهود دينهم» علمًا أن المعاهدة توعدت بالهلاك لكل من يخالف هذا المبدأ العظيم، ويكسر هذه القاعدة، بالإضافة إلى التأكيد على تحقيق العدالة والمساواة بين الناس.

وللدلالة على أن الإسلام دين لا يقوم بنفي الآخر، وأنه يُقر على أن الاختلاف هو سنة إلهية وحكمة ربانية، فقال تعالى في القرآن الحكيم: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ)، سورة هود.

وهناك موقف رائع يدل على سمو الإسلام ونبيّ الإسلام، فقيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام، فقيل له إنه يهودي، فقال: أليست نفسًا؟ أخرجه أحمد والبخاري.

إن تقبل الآخر والتعايش معه لا يُقر بالضرورة على وجوب ضياع الهوية الإسلامية والذلُ والخضوع له، بل يعني احترام حقوق وواجبات الآخر بغض النظر عمن يكون، من أجل إيجاد القواسم المشتركة فيما بينهم لتسير الحياة بالشكل المطلوب، وتسود قيم التسامح والمحبة في المجتمع.

في هذا المقام وجب التنويه على أمر ضروري، ان الاختلاف بين الناس لا يجب ان يكون اختلافًا دينيًّا، فالتعايش هنا سيكون أمرًا صعبًا للغاية، لان هناك الكثير من الفوارق والتفاصيل الشائكة بين الأديان السماويّة يستحيل الوصول فيها إلى نقاط مشتركة، وإنما التعايش هو تعايش حضاريّ وثقافيّ يخدم الأهداف التي خُلق الإنسان لأجلها (إعمار الأرض).

لطالما عُرِفَ الإسلام بمبادئه النبيلة، وخاصةً المساواة بين المسلمين وأهل الديانات الأخرى، ففي ديار الإسلام لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، كما كفل الإسلام لهم ممارسة الشعائر الدينية بحرية كاملة، وعدم إكراه أي أحد منهم على ترك دينه أو إكراهه على عقيدة معينة، وليس من حق المسلم أن يهدم لهم معبد أو كنيسة، وأن من حق زوجة المسلم “اليهودية أو النصرانية” أن تذهب إلى المعبد أو الكنيسة ولا حق لزوجها المسلم بمنعها، ومن سماحة الإسلام أنه منحهم كامل الحرية بشؤون الزواج والطلاق والمأكل والمشرب وصان لهم كرامتهم، وأجاز مخالطتهم وزيارة مرضاهم.

المواقف والدلالات والمضامين آنفة الذكر، تردُ بطريقة لا تقبل الشك على المتهمين، أن الإسلام ليس دينًا عنصريًا، بل أن السماحة هي صفة وعقيدة قام الله الواحد الأحد الفرد الصمد بذكر قيمتها في القرآن الحكيم ومنها، قوله تعالى (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن)، سورة العنكبوت، وطلبها رسوله الكريم في سنته المطهرة، فقد قيل لرسول الله: أي الأديان أحب إلى الله، قال: “الحنفية السمحة” والمقصود بالحنفية أي ملة أبراهيم، والسمحة أي السهلة.

وعليه فالإسلام بريء من أفعال وأقوال متأسلميه، الذين عاثوا في الأرض فسادًا والذين تصورهم الفئة “الضالة” على أنهم مسلمون، والإسلام بريء من دعاة السوء الذين يدعون الإسلام، ولكن ما هم بمسلمين لا ورب الكعبة.

إن على المسلمين مسؤولية كبيرة، تكمن في تمثيل دينهم أفضل تمثيل، ونشر مبادئه وقيمه أينما حلوا وارتحلوا، وعدم السماح لضعفاء النفوس بتشويه صورته الحسنة.

فنعم للتسامح والمحبة والتعايش المجتمعي بين الأديان ولا للشعارات العنصرية النتنة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد