بعد مُضي ست سنوات، وانحسار وتراجع الاحتجاجات في مصر، رغم كل الضغوط التي يتعرض لها الشعب المصري من حكومات الانقلاب المتتابعة، ورغم واقع ورائحة الموت التي تحاصر الشعب المصري من كل اتجاه، إلا أن الشارع المصري في هدوء تام، ولم يخرج أحد للاحتجاج على سوء الأوضاع في البلاد، ورغم وجود سخط عام، وتململ من تلك الأوضاع المتردية.

إلا أن الواقع يسيطر عليه الهدوء، رغم الموت تحت عجلات القطار، أو الصعق بالكهرباء، أو الغرق في مياه الأمطار، أو حتى الصعود للانتحار من أعلى برج في القاهرة.

كانت هناك تحركات مصطنعة في 20 من سبتمبر (أيلول)؛ أدت إلى مزيد من الاعتقالات دون أية مكتسبات لصالح الشعب المصري، وأدت إلى مزيد من الإحباط الشديد، وبعث اليأس من إمكانية التغيير، وفي سياق آخر هناك بعض النخب من داخل الإخوان المسلمين غير مقتنعين بمبدأ السلمية، ولهم رأي آخر ورؤية مختلفة لإدارة الصراع، ولكن أكثرية الجماعة ترى في السلمية كسرًا وإفشالًا لمخططات الفوضى الخلاقة، ويسيرون باتجاه سياسة النفس الطويل، وعض الأصابع مع الخصم، والدخول في حرب باردة طويلة الأمد حتى ينهار الخصم من داخله، رغم التضحيات التي قدموها ولا يزالون.

إن المواجهة المسلحة خاسرة بكل المقاييس، وليس من سياسة الإخوان المسلمين حمل السلاح في مواجهة مسلم مهما كانت درجة الفجور والجرائم التي يرتكبها النظام في حق الشعب المصري؛ ناتجة تلك القناعة ومرتكزة على أيديولوجية إسلامية نابعة من سمو رسالة الدين، ومن ناحية أخرى فإن ما فعله النظام الانقلابي فقهًا وشرعًا يستحق المواجهة المسلحة لوقف اعتداءاته المتكررة من قتل للشعب المصري في الميادين، لكنه من ناحية أخرى هناك ما يسمى فقه المآلات بمعنى ما الذي يترتب على تلك المواجهة المسلحة من نتائج؟ هل يمكن حسم الصراع في حالة عسكرة الثورة المصرية وإزاحة الانقلاب بأقل الخسائر الممكنة؟ من أين الحصول على السلاح الكافي للمواجهة؟ ومن الممول للاستمرار في الحرب حتى نهايتها لصالح الشعب المصري؟ أين موضع تمركز تلك الأسلحة والتدريب عليها وتجهيز كتائب مدربة تستطيع إنجاز المهمة وعدم إطالة زمن المواجهة؟ أين تقع المسئولية الإنسانية والشرعية والأخلاقية والإسلامية في حال طال أمد المواجهات ولم يحسمها طرف وسقط أبرياء من مدنيين أطفال وشيوخ ونساء؟ وإلى من ستصير المسئولية الجنائية عندما تنتهي تلك المواجهات الدامية التي لن يتبقى بعدها وطن ليحكمه الطرف المنتصر؟ هل يمكن ضمان محلية الصراع وعدم تدخل قوى إقليمية ودولية لصالح طرف ضد طرف آخر وعدم تحويل الأراضي المصرية إلى ساحة نزاع إقليمية وتصفية حسابات دولية على أرض مصرية؟
بلا شك فإن المواجهة المسلحة طريق مرعب للغاية وتدمير شامل لوطن يعاني من الانهيارات المجتمعية، والأخلاقية، والدينية، والسياسية، والاقتصادية.

وفي سياق آخر هناك موجة ثورية في لبنان والعراق وإيران انتهج الثوار نفس المنحى السلمي في ثورتهم رغم عنف المواجهة، واستخدام الأنظمة للسلاح في تفريق المتظاهرين، لكن رغم الاختلافات المذهبية والطائفية التي هي المكون الرئيسي لتلك البلاد، يتم التخطيط الآن لاستدراج باقي الدول العربية إلى حالة عسكرة الثورات من أجل فرض واقع الهيمنة الشمولية للنظام الاستعماري، وتبقى ثروات تلك البلاد تحت يده لفترات زمنية كبيرة.

إلا أن الثوار في كل من لبنان والعراق رغم الضغوط الدولية والإقليمية والمحلية واستخدام الأنظمة للسلاح والتجويع والإفقار في تفريق المتظاهرين،إلا إنهم لا يزالون يتمسكون بمبدأ السلمية، بل وذهبوا إلى أبعد من ذلك في العراق أنهم طلبوا من السُّنَّة عدم النزول للشارع والدخول في مواجهات حتى لايستغلها النظام لقمع السُّنَّة في العراق، وإعلانها حربًا طائفية.

السلمية المفترى عليها أفشلت خطط الفوضى الخلاقة في المنطقة العربية بصورة عملية وواقعية، وانتقل الصراع الآن داخل الأنظمة العربية المستبدة، وتولّد عن ضغط الواقع أزمة داخلية، وصراع على السلطة العليا في البلاد، ويحدث الآن نزيف داخلي يؤدي إلى استنزاف وإضعاف قوة السلطة العسكرية المتحكمة، نتيجة تلك الصراعات؛ يتم التخلص من كل من كان جناحًا في السلطة أو مساعدًا لها أو مؤيدًا أو داعمًا بشتى أنواع الدعم.

الأمور تسير من السيئ إلى الأسوأ، وليس هناك بوادر انفراجة قريبة، ومع ذلك لا بديل عن انتقال سلمي للسلطة عبر التعددية والانتخابات، والتشاركية السياسية في الحكم. وللوصول إلى ذلك المنحنى نحن أمام احتمالين:

أولهما؛ احتمالية حدوث انقلاب داخلي على الانقلاب؛ نتيجة تصارع الأجنحة داخل معسكر الانقلابيين وفي تلك الحالة إما أن يكون انقلابًا كاملًا ناجحًا يستطيع السيطرة على الحكم بشكل سريع وآمن ينتج عنه انفراجة سياسية جزئية، يتاح من خلالها التفاهم والتشاور مع القوى الوطنية بمشاركة جزئية، وسيطرة عسكرية تفتح بابًا للحريات مقيدة بمصالح عسكرية،
الحالة الأخرى؛انقلاب يحتاج إلى دعم شعبي يترتب عليه اشتعال ثورة كاملة تطيح بأجنحة الصراع العسكرية المتحكمة، ويفتح بابًا لانتخابات يترتب عليها انفراجة كاملة لصالح الشعب المصري.

من خلال تجارب الثورات في العالم لم تنجح ثورة في فرض إرادة كاملة وتحقيق كل النتائج التي ينبني عليها مجتمع نهضوي شامل، ولم تفلح الثورات في معالجة آثارها المدمرة في حياة الشعوب، وعلى النقيض تمامًا فإن الانتقال السلمي للسلطة من العسكري إلى المدني بالسلمية يؤدي إلى نهضة كاملة، وبناء مجتمع متقدم. وإذا اعتبرنا تركيا نموذجًا للانتقال السلمي للسلطة عبر التعددية، والانتخابات، والتشاركية السياسية في الحكم فإننا نلاحظ واقعيًّا اختلاف الأوضاع في تركيا على كل المستويات الاقتصادية والسياسية والعسكرية، في خلال أقل من عشرين عامًا انتقلت تركيا من دولة على وشك الانهيار والإفلاس إلى دولة تحتل المركز العاشر عالميًّا اقتصاديًّا وعسكريًّا وسياسيًّا، وأصبحت قوة إقليمية لا يستهان بها، وتخطو تونس إلى نفس الاتجاه نحو التغيير في الدولة، والانتقال السلمي للسلطة عبر الانتخابات أيضًا.

نجحت السلمية المفترى عليها في بناء الأمم والدول، ولم تنجح المواجهات العسكرية، أو الثورات في صناعة النهضة.
واقعيًّا إذا اندلعت الثورة المصرية فإن الإخوان المسلمين سيشاركون فيها؛ باعتبارهم فصيلًا مهمًا من مكونات الشعب المصري، ومحورًا ارتكازيًّا كبيرًا للثورة وسببًا رئيسًا في نجاحها، وفي نفس الوقت لن يبادروا إلى صناعة تلك الثورة وإشعالها.
علينا التمسك بالسلمية المتدرجة الموجعة المتعددة الأساليب والوسائل، وإحباط كل المخططات التي تذهب بطموحات الشعوب العربية وآمالها في مستقبل زاهر، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد