اعتقل صديقنا فحزن الجميع عليه، وأصاب بعضنا حالة من الإحباط واليأس من جدوى الحراك الثوري الحالي الذي تزداد ضريبته يوما بعد الآخر دون نتيجة ملموسة إلا من استشهاد واعتقال وتشريد للآلاف من شباب مصر لدرجة أن أحدهم قال لنا : أنا كفرت بالسلمية! فنظرت إليه متعجبا! وأنا أعرف أنه لا يجيد في مناهضة الانقلاب إلا البعبعة الفيسبوكية،فلا دور له في عالم أفكار ووسائل مناهضة الانقلاب ومقاومته، ولا دور اجتماعيًا له مع الشهداء وأسرهم ولا المعتقلين وبيوتهم ولا المطاردين وأبنائهم، لكنه كفر بالسلمية!

فتذكرت الجهاد كعبادة من أعظم العبادات وأجل القربات وأجمل الطاعات وأكبر التضحيات،وللجهاد دور قيمي، وهدف رسالي، وغاية نبيلة، فكما نبلت غايته نبلت وسائله، وعظمت أهدافه وقويت أشكاله وألوانه، ولم يكن الجهاد قتلا ولا تفجيرا ولا سفكا لدماء المخالف بدون جريرة أو ذنب يقترفها هذا المخالف في الرأي والفكرة والمذهب والأيديولوجيا والعقيدة، فلماذا يعبثون بالجهاد ورسالته ومكانته وقيمته في قلوب الناس ويشوهون حاضره ومستقبله بأفعالهم؟

يقول الأستاذ /حسن البنا – رحمه الله – في رسالته عن الجهاد(لما كانت الغاية في الجهاد الإسلامي أنبل الغايات، كانت وسيلته كذلك أفضل الوسائل فقد حرم الله العدوان، فقال تعالى : (إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة:190)، وأمر بالعدل حتى مع الخصوم فقال تعالى: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة:) وأرشد المسلمين إلي منتهى الرحمة ، فهم حينما يقاتلون لا يعتدون ولا يفجرون ولا يمثلون ولا يسرقون ولا ينتهبون الأموال، ولا ينتهكون الحرمات ولا يتقدمون بالأذى، فهم في حربهم خير محاربين كما أنهم في سلمهم أفضل مسالمين،والجهاد هو بذل واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل لدفع الظلم ونصرة الحق وحماية الدعوة وإعلاء كلمة الله، وقد يكون في سبيل المستضعفين الذي هو سبيل الله:

(وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا).

أي أن القتال في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين -الذي هو من سبيل الله -لإنقاذهم من الظلم والطغيان فكيف بالمستضعفين إذا كانوا أكثر استضعافا وإهانة وإذلالا بوجود من يسمون أنفسهم مجاهدين؟!

 

واهتم القرآن الكريم بالجهاد اهتماما كبيرا وعظيما حيث يقول د/كامل سلامة الدقس في رسالة الدكتوراة والتي بعنوان (آيات الجهاد في القرآن الكريم: دراسة موضوعية وتاريخية) حيث بلغت آيات الجهاد نصف القرآن المدني،وكانت حياة النبي – صلى الله عليه وسلم – حافلة بالجهاد في سبيل الله حيث وصل عدد غزوات النبي – صلى الله عليه وسلم – لسبع وعشرين غزوة قادها بنفسه وسبع وأربعين سرية سيرها صلى الله عليه وسلم بما يعادل سبع وقائع في العام الواحد مما يدل على أهمية الجهاد في السيرة النبوية أيضا.

 

وقد وردت لفظة (الجهاد) في القرآن الكريم بمعنى القتال أكثر من ثلاثين مرة كما وردت لفظة (الحرب) بمعنى القتال أربع مرات وكذا لفظة( الغزو)لم ترد إلا مرة واحدة في القرآن الكريم بنفس المعنى، مما يشير إلى أن لفظة (الجهاد ) أوسع انتشارا في القرآن الكريم لأنها أشمل في الغاية وأوسع في المدى في بذل الوسع والطاقة في المال والنفس في سبيل الله لكن الحرب والقتال والغزو قد يكون له مآرب أخرى، حيث أن لفظة (الجهاد) اقترنت بـ(في سبيل الله) أكثر من خمسين مرة، والشيخ رشيد رضا في المنار يقول (سبيل الله هي الطريق الموصلة إلى مرضاته وهي التي يحفظ بها الدين ويصلح بها حال عباده) فالجهاد وسيلة يحفظ بها (الدين) ويصلح بها حال (العباد).

 

ولقد ظلم الجهاد كما ظلم الإسلام مرتين مرة من أبنائه ومرة من أعدائه وظلم الأعداء للجهاد طبيعي ومنطقي في تشويه صورته وتنفير الناس منه ووصمه بالإرهاب، لكن أن يظلم الجهاد من أبناء الأمة الإسلامية فهذا غير منطقي وليس طبيعيًا،فالجهاد القيمي الرسالي ضاع بين من يرفعون راية الجهاد المسلح(القتال) كتنظيم داعش وبين من يرفعون راية الجهاد السلمي (النضالي) كالإخوان المسلمين، وبعيدا عن داعش ودورها في تشويه الإسلام فضلا عن تشويه ذروة سنامه فالمتتبع لمسار الإخوان المسلمين مع ثورات الربيع العربي في كل من سوريا واليمن ومصر تجده يمتاز بقدر كبير من الفشل والتخبط، مما أصاب كثيرًا من شباب الأمة بالإحباط واليأس في صلاحية جماعة كبيرة كجماعة الإخوان المسلمين في تصدر الأمة وقيادتها.

فمثلا الإخوان المسلمون في سوريا تأخروا جدا في الثورة السورية ،ولم يتواكب خطابهم مع الخطاب الجهادي الذي استحضرته الثورة السورية المسلحة ،ويرصد الأستاذ/ أحمد أبازيد الكاتب والباحث المؤرخ الثوري السوري في بحثه الماتع (ثورة المتروكين) هذا التأخر في الدور الإخواني لصالح الخطاب السلفي الجهادي: ( أما الإخوان المسلمون الذين كانوا الحامل التاريخي للخطاب الإسلامي في سوريا، فقد كان تخليهم عن الطليعة المقاتلة –  والذي وصل حد الخصومة المعلنة في الإعلام – إضافة إلى اضمحلالهم كتيار فكري دعوي، وتحولهم إلى ما يشبه مجموعة من العوائل التي تدير عملا سياسيا، وتخليهم عن إنتاج خطاب جهادي للثورة السورية وتبنيهم خطابا ليبراليا في الواقع الثوري الذي زاد من الطلب على الخطاب الجهادي، مما أدى إلى فقدان تأثيرهم على مستوى الخطابات والأفكار الإسلامية المتداولة في الواقع الثوري.).

أما عن دور الإخوان المسلمين المتخاذل والباهت والفاشل في اليمن والذي كانت نتيجته أن تسلمت مليشيات الحوثي_ بدعم من إيران ومليشيات المخلوع _ اليمن عن بكرة أبيها حاكمين فعليين بعد أن اقتحموا المدن، حتى وصلت لاقتحام البيوت والمكاتب والمقرات الخاصة بقيادات الإخوان وشباب الثورة وحتى الجامعات في اليمن . ورغم أن المجتمع اليمني قبائلي بطبيعته وللقبيلة حضور قوي كما للسلاح أيضا نفس الحضور، إلا أن الإخوان المسلمين بسلميتهم الغريبة في غير موضعها، تركوا اليمن مرتعا لميليشيات الحوثي وغيره لسفك الدماء وقتل الأرواح وسرقة الأوطان.

فتجد عندما تتهيأ الأجواء وتتجهز البيئات للجهاد في سبيل الله بامتلاك الأفكار المحرضة والمحفزة للحراك الجهادي والقوة التي تحمي هذه الأفكار من عدة وعتاد ورجال، يتأخر الإخوان عن المشهد الجهادي، والملاحظ أن الإخوان المسلمين من بعد المؤسس_رحمه الله_انسلخوا من الخطاب الجهادي وتميزوا بالخطاب الليبرالي النضالي السلمي حتى عندما يزداد الطلب على الخطاب الجهادي وتمتلك الأمة سلاحها بل وتمتلىء البيوت بالجرينوف والكلاشينكوف وتتهيأ الأجواء للجهاد والقتال والدفاع عن النفس يتأخر الإخوان كما في سوريا والعراق واليمن.

ويقول الأستاذ الراشد بعد فشل تجربة الإخوان في العراق” مفاد البديهة، وتجربة الحياة: أن العمل السياسي الصحيح،وفق قواعد الفقه، وثوابت الإسلام،هو تكميل للجهاد الواعي الشجاع، وهو الوجه الثاني له، والمستثمر لعطاياه ونتائجه، وكلا الرهطين فاضلان، وهما ميمنة وميسرة لقلب تمثله دعوة فكرية تربوية هي خط الإنتاج الخلفي ومصدر الإمداد في الابتداء والانتهاء”.

 

ولكن هذا الفهم الوسطي والتقدير المتناسب – ولازال الكلام له -: لم تستطع تجربة ” العملية السياسية الإسلامية في العراق أيام الاحتلال الأميركي ” مجاراته بمهارة أو الالتزام بشروطه الضمنية، أو موازاة سمت الاعتدال وتمثيل السياسة الإسلامية في وصفها النموذجي الذي أورده الفكر الإسلامي الدعوي الحديث الذي يحرص على الأصالة كحرصه على التجديد والإبداع وملاءمة المستجدات، بل حصل اجتهاد في التطبيق هو إلى الخطأ أقرب.

 

وأخيرا المشكلة ليست في السلمية لكنها مشكلة منهجية فالسلمية لا تعني الاستسلام والخضوع والانكسار أمام آلة البطش والقمع وأن يتحول شبابنا لفريسة سهلة للظلم والطغيان، وأن يصبحوا كنزا إستراتيجيا للاعتقال والسجن، وأن تكون بيوتنا وأموالنا وأوطاننا وحرياتنا وأرواحنا غنيمة للفجار والطغاة،فالسلمية الذكية الناجعة المنظمة والتي لا تشترط تكفير الخصم حتى تنال منه أو تردعه أو تدافع عن نفسك وأهل بيتك وأموالك وأرضك وعرضك وحريتك،هناك أدوات ووسائل كثيرة وشاسعة بين أيدي المخططين، لكن أين هم المخططون؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد