عن نظرتنا للمرأة

لطالما كانت تستفزني في الدراما العربية وحتى الغربية منها فكرة ربط شخصية المرأة الجميلة والملفته بأدوار تتسم بكل الصفات السيئة مثل الاستغلالية والرخص، وكأننا اعتدنا على هذه المحاولات التي بدورها عملت على ترسيخ الصورة السيئة المرتبطة بجمال وأناقة الأنثى في اللاوعي الخاص بالمشاهد.

بلا أي شك يعد الجمال مفهومًا نسبيًا، وعند توافره لدى كلا الجنسين قد يتم استغلاله أي أنه حتى الرجل لو كان حسن المظهر ووسيم الملامح فإنه من الممكن جدًا أن يستغل وسامته في سبيل الوصول لغايات معينه. لكن في عالم لا يهاجم سوى الأنثى، فقد حان الوقت لكي نتوقف عند هذه النقطة.

لعل غالبية الناس لا يعون أو يتجاهلون كون أن العناية بالمظهر والشكل الخارجي مرتبطان بثقة الفتاة بنفسها وإقبالها على الحياة وحتى نظرتها وتقديرها لذاتها، كل فتاة تستحق أن ترى نفسها جميلة وتشعر بأنوثتها، أن تخضع لجلسات عناية بالبشرة وتستخدم مستحضرات التجميل بدون أي مناسبة، فقط لكي تقدر كونها أنثى وتشعر بأنها تستحق الدلال.

دائما ما نسمع أن الشكل  الخارجي ليس بالأمر المهم ولا يعد معيارًا لبناء العلاقات والتعاملات البشرية، وهذه المقولة ليست دائمًا دقيقة لأنه في أحيان عديدة، يتطلب المرء أن يكون شريكه على أقل اعتبار معتدل الجمال أو حتى مقبولًا بنظره، وحتى في اجتماعات العمل نهتم بمدى أناقة ورسمية ملابس وتعامل الآخر، لكن أين المشكلة لو اجتمع الشكل والمضمون؟ 

ما هي الجريمة في أن تكون المرأة ذات شكل وقوام ملفت وتملك بذات الوقت محتوى غنيًا وعقلًا متزنًا؟

كون أن الأنثى حسنة المظهر فهذا يعتبر تذكرة عبور وضمان قبول عند غالبية البشر، فحسن شكلك الخارجي بإمكانه أن يكون سبب نجاحك بحياتك الاجتماعية، أو يجلب لك فرص عمل، ويفتح لك أبوابًا جديدة، ناهيك عن طلبات الزواج التي ستنهال عليك، فما الضير في اعترافنا بهذا الواقع الملموس؟

لماذا نعتبر جمال المرأة أو جرأتها من التابوهات التي لابد وأن نغمض أعيننا عنها ونغلق آذاننا عن سماعها مع العلم أنها مطلوبة لكن خلف الأبواب المغلقة وتحت الأضواء المطفأة.

فبصراحة لم أفهم يومًا الرجل الذي يمنع زوجته من استخدام طلاء الأظافر أو وضع أحمر الشفاه والخروج من المنزل وهي بذلك تمارس فطرتها باهتمامها بشكلها، على اعتبار أنها لو خرجت بطلاء أظافر سوف تظهر بمظهر جذاب وبالتالي (تثير مطامع الرجال)!

والمصيبة هنا أن  معظم تلك المطالب الذكورية تكون بعيدة كل البعد عن الدوافع الدينية.

لكننا نطبق القصاص هنا على المرأة فيما يتفق مع عقليتنا بمعنى أن الرجل لو اهتم بهندامه فهو أمر يلقى الاستحسان عليه، بينما المرأة لو اعتنت بشكلها الخارجي فهذه تعتبر زينة وإثمًا لا بل وترفع أصابع الاتهام ضدها، وتثير الشكوك حول سلوكياتها وأخلاقياتها، مما في واقع الحال قسم معشر النساء إلى قسمين: مهذبات يعشن بإطار ما يلقى استحسان المحيط ويرتدين ما يملي عليهن المجتمع في العلن يشتمن ويهاجمن، ولكن في سرهن يحسدن القسم الثاني ممن اخترن أن يمارسن حرية أنوثتهن بالشكل والمضمون. 

أضف إلى ذلك تقييدنا للمرأة حسنة المظهر بالفكر إذ أنه من غير المتوقع منها أن تكون متكلمة أو ذكية. على اعتبار أن المرأة الجميلة والمثيرة لا بد وأن تكون غبية، سطحية وتافهة كمن قولب لها إطارًا من غير المسموح لها الخروج عنه وإن فعلت فلسوف تهاجم وتعيب بالحسنة الوحيدة والتي هي مطلب الجميع. 

مع ذلك يعد الوصول للصورة الجميلة والرضا عن الشكل الخارجي هو غاية غالبية البشر نساء كانوا أو رجالًا.

لكن المعايير الجمالية اللي تفرضها وسائل الإعلام الحديث والمقارنات المستدامة مع الأخريات وغيرها من الضغوطات السلبية المتعلقة بأشكالنا تجعل من الفتيات أسيرات في دوامة مظهرهن.

فعليكِ مواكبة ركب الجمال والموضة ولكن لا بد لك من التوقف عند الحد الذي تكونين فيه جميلة وملفتة لتنالي استحسان المحيط، بنفس الوقت لا تبالغي لكي لا تتجاوزي الحد المسموح وتتهمي بكل الصفات السيئة.

لكن للأسف جمال الفتاة في بعض الأحيان قد يعد نقمة عليها، إذ أن الفتاة لو ظهرت عليها ملامح الجمال في سن المراهقة فهذا سبب كاف لتفتح الأعين عليها وبالتالي ستتم محاسبتها على أمور هي نفسها لم تعيها بعد ومن كثرة الخوف عليها من (الذئاب البشرية) قد تمنع من الخروج من منزلها إلا على منزل زوجها، على اعتبار أنها لو ذهبت إلى الجامعة أو توظفت سوف يطمع ويغرر بها، وإذا خرجت من منزلها غلطتها بعشر.

من حسن الحظ أن هذا الفكر على وشك الانقراض ولا أتكلم هنا عن الجمال بقدر ما أتكلم عن حكمنا على الجمال ونظرتتا للمرأة الملفتة والمثيرة على اعتبارها شخصًا سيئًا، وحتى من قبل أن نعرفها فقط لمجرد كونها شخص ملفت فهي شخص سيء.

في الغرب تعددت أمثلة الفنانات أو النجمات المثيرات اللاتي دخلن مجالات مختلفة وقد يعود ذلك على اعتبار المجتمعات الغربية تملك من المرونة ما يكفي لتقبل هكذا تنوع بطريقة لم تستطع بعد مجتمعاتنا من تبنيها، فمن سنوات ليست ببعيدة هوجمت فنانة عربية وذلك لتقديمها طلب ترشيح لمجلس النواب بل وقوبل طلبها بالسخرية والاستهزاء، كثرت الأمثلة في الغرب ولكن من أشهر الأسماء الممثلة والمخترعة النمساوية الأمريكية هيدويغ إيفا ماريا كيزلر (Hedwig Eva Maria Kiesler) والمعروفة باسم هيدي لامار التي كانت تعد من أهم نجوم القرن الماضي إضافة إلى كونها عالمة رياضيات.

فهل ما زال يلزمنا أكثر من قرن لنتوقف عن قولبة فتياتنا بقوالب جاهزة من صنع مجتمعاتنا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد