البيداغوجيا اصطلاح متداول في حقل التربية يحد مفهومًا مفاده الوسيلة الأنسب لتسويق المعلومة لذهن المتلقي وكيفية صياغة البرامج التي تكون الفرد المنشود ضمن إطار أي نسيج اجتماعي. هذه العملية لا تنفصل عن سياقها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والتاريخي والديني وعليه فهي عملية لا تتم إلا في ظل فلسفة شاملة ترسم تصورًا للإنسان الذي نريده في وطننا العربي، بل أخصص وأقول: في فضائنا الجزائري كذلك.

البيداغوجيا كما عنونت لها انعكاس لفلسفة تربوية متكاملة تعتمدها الدول لتكوين أفرادها تكوينا عامًا أو نوعيًا، وهي طبعًا لا تخلو من عملية تنقيح وتجديد، بل إعادة هيكلة شاملة في الدول التي تحترم ذاتيتها،إلا في وطننا العربي والجزائر ليست استثناء من هذا السياق فهي والحال فلسفة التربية الجزائرية على حالها تقريبًا من سنة 1977 مع تعديلات بسيطة لا تمس الجوهر، ومطالعها لا يصل إلى أي مفهوم أو تصور لما سيكون عليه الفرد الجزائري في المستقبل هذا التكلس والصدأ الذي أصاب التصور الفلسفي للتربية في الجزائر انعكس غيابًا لمرجعية يستند إليها حال صياغة برامج تكوينية للأطوار الثلاثة، كما أنه لا يمكنني أن أغفل معطى الصراع الأيديولوجي الذي يعالجه المشهد الجزائري الذي انطلق من زمن رئيس الهواري بومدين الذي تم في عهده إلغاء التعليم الأصلي وإغلاق المعاهد التي كانت ترعاها وزارة الشؤون الدينية زمن الوزير مولود قاسم رحمه الله إلى بلوغها ذروتها زمن الوزير أحمد بن بيتور حيث تمت المسارعة إلى الإطاحة به على خلفية تسريبات بكالوريا 1991 حيث كان الرجل يفكر بإدراج اللغة الإنجليزية كلغة ثانية بدلًا عن الفرنسية، وميول الرجل العروبية لم تكن محل رضا، وهكذا لم يمض على وزارة عبد اللطيف بابا أحمد إلا سنتان تقريبًا حتى قدم استقالته، أو تمت اقالته في ظروف لا تخلو من التباس، ولنكن صرحاء فنقول إن خلفيته الإباضية المتمسكة بأصالتها أزعجت بعض الدوائر التي تسعى للهيمنة على هذا القطاع الحساس في هذا الظرف الذي تمر به الجزائر، وإلا ففضائح التسريبات التي تهز القطاع لم تحرك شعرة في الوزيرة التي خلفته مباشرة.

نترك الآن سرد السياق التاريخي للصراع المؤدلج الذي حكم مشهد التربية في الجزائر، ولننتقل إلى طور آخر، وهو وضع مقاربة فلسفية تمكننا من صياغة البيداغوجية المتناسبة مع هذه المرحلة التي يمر بها الوضع الدولي، فإن يممنا نظرنا شطره وجدنا أن العالم اليوم لا يتجه نحو العولمة كما يصور الانهزاميون المرتهنون، بل المعطيات السياسية تشير إلى أن نظامًا متعدد الأقطاب يتشكل اليوم لا تتحكم فيه الولايات المتحدة الأمريكية فيه بكل شيء، وهنا نستمد مثال الصين التي تغزو أسواقا عالمية جديدة وتطور ها العسكري لا يستهان به، أما روسيا فاستطاعت لي الذراع الأمريكي في عدة محافل دولية، خصوصًا الملف السوري والإيراني وصد التوسع الأمريكي في شرق أوروبا وتلقف الحليف التركي السابق لأمريكا، ولا يمكننا أيضًا إغفال القوى الصاعدة في أمريكا اللاتينية (البرازيل، الأرجنتين، فينزويلا) ومثيلاتها في جنوب شرق آسيا (ماليزيا، إندونيسيا، مالاوي ) وهذه القوى باتحادها تشكل ثقلًا اقتصاديًا وسياسيًا لا يستهان به، لكن ليس هذا السبب الرئيس الذي جعلنا نقول إن العالم لا يتجه إلى الأحادية لأن القطب الذي يفترض أن يدير هذا النظام العالمي الجديد ظهرت عليه معطيات الانهيار، وهذا الكلام ليس من قبيل الرجم بالغيب، بل تفرضه إحصائيات القروض التي يقدمها البنك المركزي الأمريكي، والتي بلغت فوائدها أرقاما فلكية تعود نهايتها إلى الصفر، وإعلان إفلاس الشركات المتعددة الجنسيات التي تغزو بضاعتها السوق العالمي؛ مما يعني أزمات مالية كبيرة قادمة وعجز الحكومة الفيدرالية الأمريكية الحالية عن ضخ الأموال في الولايات الأمريكية، ومثول الرئيس أمام المحقق الأمريكي مولر الذي وجه له اتهامات باختراق الروس للداخل الأمريكي أثناء الانتخابات، أضف إليه حالة الرفض الذي تقابل به السياسة الأمريكية في العالم، ويمكننا في هذا الصدد استمداد مثال تصويت الأمم المتحدة ضد قرار الرئيس الأمريكي هذه المعطيات على بساطتها، وإن كانت كل واحدة منها تحتاج لدراسة مفصلة تشير أننا في مرحلة ما بعد الحداثة، بل ما بعد الأحادية القطبية التي انتهت بضاعتها الثقافية، إلا في فضائنا العربي المسكين، ولا يمنع منظري فلسفة التربية في بلادنا عن الاعتراف بهذه الحقائق، إلا خدمة ولي النعمة لا أكثر.

ولننتقل للحديث عن طور آخر وهو الطور الثقافي، فغالب المجتمعات الإنسانية اليوم تخوض صراعات للحفاظ على مقوماتها الذاتية، خصوصًا المجتمعات الشرقية والأوروبية، حيث نجد المجتمع الكوري الجنوبي والياباني مثلًا أصبح يخضع إلى نمط الحياة الغربي (الأمريكي) وازداد إيقاع ذلك النمط، فغيب بشكل تدريجي الثقافة الكورية واليابان، حيث أصبح الشبان الكوريون واليابانيون لا يلبسون اللباس التقليدي (كيمونو) ولا يتقنون كتابة لغتهم مقابل إتقانهم للحديث والكتابة بالإنجليزية، وكثير منهم لا يهتم بالمناسبات الدينية للمجتمع الكوري والياباني، فضلًا عن غزو الإلحاد لهم في الأوساط الجامعية، مما حدا بوزاراة التربية هناك إلى إدراج مادة الثقافة الوطنية للأطوار الابتدائية، بينما الدعوة القومية المحافظة وجدت لها مجالًا حيويًا للتحرك في المجتمعات الأوروبية، فنجد بريطانيا وفرنسا وألمانيا ودول إسكنديناف أصبحت الأحزاب اليمينية المحافظة فيها تحوز على مقاعد برلمانية سنويًا تحت حجة الحفاظ على الذاتية القومية، بل نجد أن بعض الدول الأوروبية المبنية على الفيدرالية، كإسبانيا، أصبحت الأقليات تدعو إلى استقلالها بكيان يمثلها (إقيليم كاتالونيا) فعلى أي أساس يتم الترويج لفكرة العولمة الثقافية، وإعادة صياغة برامج تتفق وإهدار الثقافة الذاتية للمجتمع الجزائري تحت حجة أن العالم يتجه نحو العولمة. إن قوى العالم اليوم تخوض صراعًا ضد الهيمنة الأحادية، وتحاول أن تجد لها هامشًا تتحرك فيه بعيدًا عن الفكر الأحادي، وقد استطاعات كثير من المجتمعات أن تفرض ثقافتها في السوق الدولي، فلم يفترض على الجزائري الاستسلام دون مقاومة تذكر وهو صاحب رصيد حضاري مشهود في التاريخ؟

هنا ينبغي أن نعيد التفكير مليًا في ما يتم ترويجه من فلسفة العولمة وتطوير بيداغوجيا تتناسب مع هذا الطرح؛ فالجزائر بما تملكه من رصيد تاريخي تغلب عليه النضالية وثقافي تغلب عليه الوسطية واستقرار ديني ومذهبي فيه تنوع تكاملي من مصلحتها العليا الحفاظ على مقوماتها التي هي معطى قوة لا ي مجتمع يريد النهضة الشاملة ولا ينقص في الحالة الجزائرية إلا الإرادة الحقيقية من دوائر السياسة.

لكن ما هي المعارف التي ينبغي أن يتكون فيها الفرد الجزائري، خصوصًا في الطور الابتدائي الذي يعتبر مخبرًا حقيقيًا لتكوين مجتمع المستقبل، وفي مقاربتي أن تكثير المواد المطلوب تعلمها في الطور الابتدائي ليس سوى حشو لا علاقة له بالمضمون البيداغوجي من ربي، وإنما في الطور الابتدائي يتم التركيز على المواد التي تمثل المادة الخام لشخصية جزائري المستقبل على بساطتها وهذه المواد المعرفية في نظري هي.

اللغة العربية وهي المادة الأساس التي ينبغي أن يتقنها ويتحكم فيها تلميذ الابتدائي نطقًا وكتابة وفهمًا؛ لأنها تمثل انعكاس هوية ثقافة ودين الجزائر التي لا تنفصل عن لغتها فحسب، بل اللغة العربية لغة مرنة وفعالة في معالجة المعارف التقنية والإنسانية المتداولة في العالم، وأكبر دليل على ذلك أن المجلات العلمية المحكمة التي تصدر من أرقى الجامعات بلغتها الإنجليزية، والكتب التي تؤلف من الباحثين بلغتها الأصلية أيا كانت، وفي غالبها إنجليزية وقلة منها فرنسية لها نسخة مترجمة إلى العربية، ومن ليست لها نسخة مترجمة يمكن نقل المباحث المتداولة في المجلة بسهولة إلى العربية كون الوعاء الدلالي العربي للاصطلاح الواحد واسع حيث تجد الاصطلاح الواحد في ذاته يحمل عدة معان حقيقية وأخرى مجازية، أضف إلى خاصية الاشتقاق وتوليد المصطلحات التي تمكن من مواكبة تطور التقانة باللغة العربية، بل وصياغة برامج تتناسب مع العصر الحديث.

اللغة الإنجليزية كلغة ثانية بدلًا عن الفرنسية، وهذا الطرح قد أصبح متداولًا في الفضاء الثقافي وفي وسائط التواصل الاجتماعي كبديل، خصوصًا بعد توترات في العلاقة بين الدولة الجزائرية وفرنسا وحالة الرفض الفرنسي المتكرر للاعتذار الرسمي عن جرائم الاستعمار وهذا الطرح من وجهة نظري ضروري جدًا في الحقل المعرفي  لمعطيات مختلفة، أولها أن اللغة الإنجليزية بمعجميتها البريطانية سهلة وسلسة التعلم، إما من ناحية النطق أو الكتابة، أضف إليها أنها تسهل الوصول المباشر للمادة المعرفية العالمية مستقبلًا بالنسبة إلى الطفل باحث المستقبل، وأهم من هذا في نظري أن اللغة الإنجليزية لا تحمل ثقافة العداء المؤدلج ضد العربية والإسلام وخير مثال لهذا الطرح مقارنة بسيطة بين نخبة مثقفة جزائرية، وأخرى سورية أو مصرية تجد الحالة الأولى لا تحسن الحديث إلا باللغة الفرنسية، وتبرر ذلك بأن العربية لغة قديمة وتافهة ولا تواكب العصر، بينما مثيلتها السورية أو المصرية مع إجادتها الإنجليزية تتحدث العربية بطلاقة واسترسال دون أي شعور بتناقض بين الثقافتين، إن لم نقل إن تلك النخبة تنطلق من نظرة تكاملية بين الثقافتين، ولا غرابة أن تجد أن الرابطة القلمية العربية مثلًا أسست في الولايات المتحدة الامريكية وغالب كتب المعرفة الإنسانية والتقنية تم ترجمتها إلى العربية بسهولة من طرف كتاب عرب مسيحين أو مسلمين فهذه العقدة تجاه العربية عقدة مغاربية جزائرية بامتياز ورثتها تلك النخبة المتكلسة من الاستعمار ولا غرابة فقد عبر أحدهم بقوله الفرنسية غنيمة استعمار.

فتعلم الإنجليزية يسهل تكوين نخبة جزائرية باطار مرجعي وثقافي متحرر من هذه الأدلجة الفرنكوفيلية ومنفتحة على التضخم المعرفي المتسارع في هذا العصر.

ثالثا المادة الثالثة هي الرياضيات حيث يكتسب الطفل القدرة على التحليل والتركيب على بساطته والتفكير المنطقي الذي يبنى على المقدمات للوصول للنتائج ومادة الرياضيات ليست محل نقاش في الفضاء الجزائري، بل هنا إرادة سياسية بتطويرها والاعتناء بها، وهذا أمر مقبول ومطلوب.

بقيت مادتان مهمتان ينبغي أن تضاف إلى المنهج الدراسي اول مادة اقاربها بعنوان مادة السلوك بمعنى ان يتعلم الطفل مجموعة من القيم التي تضبط سلوكه داخل المجتمع في ابعاده المختلفة ومادة جديدة اقاربها بعنوان مادة الايمان التي تربط الناشئ بالله تعالى وهذه تحتاج الى استفصال في مقال منفرد بحول الله تعالى .

لقد عالجت في المقالة الخلفيات الفلسفية التي تحكم توجيه عملية البيداغوجيا داخل المنظومة التربوية واقتصرت على بيان الخطوط العريضة التي ينبغي الاهتمام بها في عملية التكوين اما الاستفصال يحتاج الى افراد مقالات اخرى حسب القدرة والطاقة بحول الله اضف اليه ان هذه المقاربة تنطلق من فرضية ما ينبغي ان يكون لا ماهو كائن والا فالمدرسة الجزائرية اليوم تحاول لملمة جراحها التي لا تزال تثخن فيها بسبب سياسيات تعكس فكرا موتورا قاصرا .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد