ماذا بعد قضية الطفل عدنان؟ ألم يجر خطفه واغتصابه وقتله؟

لم يُفق بعدُ الجميع من صدمة عدنان، حتى سمع ذوي صفعة أخرى  من مدينة طنجة شمال المغرب، حين أقدم رجل يشتغل موظفًا دينيًّا (فقيهًا) في أحد دور حفظ القرآن الكريم، على اغتصاب ثماني فتيات قاصرات  وأربعة ذكور على مدى ثماني سنوات.

جريمة عمقت من الجرح الغائر الذي لم يندمل مع مرور السنين. حيث توالي حوادث ظاهرة الاغتصاب فرض نقاشات مجتمعية، فهناك من راح يطالب بالقصاص أي فتح نقاش الإعدام القديم- الجديد، وهناك من انتقد المنظومة القانونية والقضائية، وهناك من حمَّل جهاز الأمن مسؤولية «الطفولة المغتصبة»، فيما جهة أخرى طالبت بالانفتاح على تدريس مادة التربية الجنسية، وما لها من دور تثقيفي وتعليمي حول كيفية تعامل الناشئة مع موضوع الجنس في ظل تراجع منظومتي القيم والأخلاق، ومظاهر الشذوذ والتحرش والانحراف الجنسي.

خلق مطلب تدريس التربية الجنسية جدلًا واسعًا في الوسط المجتمعي المغربي «المحافظ» بطبعه. إذ عدها كثيرون دخيلة على أعراف وتقاليد المجتمع المتشبع بثقافة إسلامية؛ فالحديث عن الجنس يعد طابو تتجنبه الأسر بوصفه في نظر كثيرين يؤطره الحياء والعفة، كما أنه مكون من التربية الإسلامية. بينما يرى فيه داعمو هذا المطلب، وسيلة علمية لمواجهة ظاهرة الاغتصاب التي طالت الأطفال، وذلك عبر إدماجها في النسق التعليمي التربوي الوطني.

الإسلام في خدمة التربية الجنسية

إن إدماج مادة التربية الجنسية ضمن منظومة التعليم الوطنية. يرى كثيرون أنها تتقاطع مع مادة التربية الإسلامية. فيما ذهب آخرون إلى البحث فيما وراء هذه المطالبة التي تهدف إلى إبعاد التربية الإسلامية عن التدخل في التربية الجنسية برؤية علمانية صرفة تفصل الجنس عن الدين.
يتعرض التلميذ لخلط في المعارف المكتسبة، نظرًا إلى التناقض بين مضامين المواد المقدمة. وهذا يعود بالأساس إلى المرجعيات أو الأيديولوجيات المصارعة حول «اختطاف» المواد التعليمية.

في هذا الشأن يقول فضيلة الشيخ لحسن بن إبراهيم السكنفل، إن النصوص القرآنية والحديثية تتضمن الملامح الكبرى للتربية الجنسية. مضيفًا أن منهاج التربية الجنسية، يجب أن تكون له ضوابط من خلال وضع دليل يتضمن الشرع والعلوم الاجتماعية والجوانب الطبية، ويكون موجهًا إلى الأبناء، موازاة مع إخضاع الأساتذة لتكوين خاص يروم إيصال المعلومة العلمية الدقيقة للتلاميذ.

التربية الجنسية مسؤولية البيت والمدرسة

تروم الدعوة لإدماج التربية الجنسية في المقررات الدراسية، إلى كسر جدار الصمت وطابو الجنس وما يضمره من ثقافة «العيب» السائدة لدى معظم الأسر؛ إذ تعد أحد الأسباب الرئيسة في انتشار ظواهر اشتهاء الأطفال «البيدوفيليا»، أو التحرش في الشارع العام. فما ذنب الأطفال الأبرياء الذين طالتهم الظاهرة؟
ذنبهم الوحيد أنهم لم يدركوا لا في البيت أو المدرسة أن أجسادهم ملك لهم، عدم السماح لأي شخص غريب المس بأعضائهم التناسلية، من هنا تبدأ الثقافة الجنسية، حسب ما يؤكده مجموعة من الخبراء والمتخصصين في هذا المجال.

في السياق نفسه يرى سعيد بنيس، أستاذ علم الاجتماع بجامعة محمد الخامس، أن التربية الجنسية تنطلق من البيت مع الوالدين قبل المدرسة. داعيًا الأسر إلى تحمل مسؤوليتها للانخراط في توعية أبنائها. بخصوص نقاش تدريس المادة يشدد المتحدث ذاته على ضرورة إعداد خطة تواصلية لإقناع الآباء بأن التربية الجنسية تدخل ضمن النسق التعليمي.
كما يرى أن الثقافة الجنسية تلقنُ منذ سن السادسة، لكن بلوغ الابن سنًّا متقدمة دون الحديث معه في الموضوع، سيعرضه للتيه جنسيًّا.

يجمع الأكادميون على ضرورة خلق وعي وثقافة جنسية عبر بوابة البيت والمدرسة وفق ضوابط علمية ناجعة لا تتعارض في أساسها مع ما هو ديني؛ لأن لكل مجال دوره، بحسبهم.

نقاش مسؤول

التربية الجنسية للطفل تحتل مكانة مهمة في عالمنا اليوم، ولا تقل شأنًا عن باقي جوانب التربية الأخرى، فأي تقصير أو تهاون فيها فعلينا تحمل وزرها فردًا وجماعات. وبالتالي النقاش المجتمعي الذي يستفيق من سباته كلما استجد موضوع الاغتصاب أو طفت على السطح قضية من قضاياه، يكثر الحديث هنا وهناك لكن سرعان ما تعود الأمور إلى نصابها ويخفت النقاش، ونضع أيدينا فوق قلوبنا ننظر بعين تمتلكها الحيرة، متى وأين ستقع جريمة أخرى؟

إن الهروب بالنقاش إلى موضوعات جانبية لا تخدم المصلحة العامة، بل يسقطنا في نقاشات «الديكور» وحملات التضامن المحدودة في الزمن والمكان. ونبحث عن شماعة فشل منظومة التربية عامة التي ساهم فيها الكل، كل من موقعه.
إن هدر الزمن في نقاشات مناسباتية، تمنح فرصة التمدد لكافة ظواهر الانحراف الجنسي وانعكاساته الخطيرة على بنية المجتمع المرتبط أساسًا بالصحة النفسية والجسدية لضحايا الاغتصاب، ومنهم الأطفال.

وعليه نحتاج اليوم إلى نقاش مسؤول يفرضه الواقع وملابساته، بعيدًا عن صراعات الأيديولوجيات والمرجعيات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد