التحرش الجنسي بالأطفال ليس بالأمر الحديث قط! بل له تاريخ عبر الزمن، كيفما كان الانتماء العرقي أو الديني لمرتكبيه.

عندما تابعت ما حدث بمدينة طنجة؛ حيث تم اغتصاب وقتل طفل من قِبل أحد جيرانه أو ما وقع في مصر للطفلة الصغيرة وكل ما تداولته وسائل التواصل الاجتماعي، لم أتفاجأ بالفعل الاجرامي في حد ذاته بل فاجأني الكم الهائل من الاحتجاجات والتنديدات! لطالما عاتبنا وسائل التواصل الاجتماعي على ما تتداوله من أخبار زائفة ومحتويات تافهة أحيانًا، لكن بفضل تلك المسائل، تمكن الكثير من المغاربة من الحديث عن هذه الظاهرة وأحسست بشيء من التحرر في إبداء الآراء، ربما لكون معظم الناس يختبؤون وراء هويات وهمية!

عنصر المفاجأة فاجأني قليلًا ولم أتمكن من تفسيره بعد : هل مجتمعنا يفضل ترك هذه الموضوعات ضمن الطابوهات ويفضل عدم الحديث عنها؟ هل نتخيل أن تربيتنا لأطفالنا مثالية لدرجة عدم تقبل التقصيرات التي قد تنتج عنها هذه الكوارث؟ هل سذاجتنا وثقتنا العمياء في كل المقربين والجيران جعلتنا نقلل من خطورة ما قد يحدث لأطفالنا؟ أسئلة كثيرة حيرتني و لم أجد لها أجوبة… وإنْ وجدت جوابًا لربما أستطيع تفسير حالة الدهشة التي سادت بعد واقعة طنجة!

لا أؤمن بوجود وصفة سحرية نحمي بها أطفالنا من أيادي المجرمين المختلين، لكن أؤمن بقدرة الآباء على التوعية والحماية على الأقل من الأقربين الذين يشكلون أكبر نسبة من بين الأشخاص المقبلين على هذه الأفعال!

أطفالنا اليوم ليسوا كلهم مهيئين لتفسير تعامل البعض معهم وهذا لا علاقة له بالمستوى الثقافي للآباء! هناك أشياء بسيطة يمكن فعلها لتحضيرهم شيئًا ما، كمنحهم الثقة بالنفس لاختيار من يحبون و من لا يفضلون وعدم إجبارهم من سبيل «الصواب» على تقبيل الجميع والالتصاق بالجميع و.. و.. و..!

الطفل المتحرَّش به جنسيًّا يعيش طوال حياته يتذكر التفاصيل الدقيقة و إحساسه في تلك اللحظة بالضبط!

قد يظن البعض أن التحرش اللذي مضمونه المداعبة او اللمس «الخفيف» ليس لهما أثر كبير على الطفل ومن السهل نسيانهما… وهذا بمثابة فخ كبير يقع فيه الكثيرون! فكل ما يمس بما نملكه سواءً جسديًّا أو معنويًّا، يشكل تعديًا على خصوصيتنا وقد يظهر ذلك درجة التحرش… وعندما يتعلق الأمر بالأطفال، فالأمر أبشع بكثير؛ إذ إن مسألة الموافقة غير مطروحة من الأساس! فحتى إذا وافق لفظيًّا على ما قد يحل به، فتلك الموافقة غير  صالحة بتاتًا !

التحرش في حد ذاته مشكلة كبيرة بالطبع، لكن مخلفاته مصيبة كبرى! معظم الآباء الذين يعيشون موقف التحرش مع أبنائهم يطورون ملكة الحذر والخوف من أن يعاد ذلك، ظانين بكل سذاجة أنهم قد قضوا على كل المشكلات، لكن مأساة الطفل ما لبثت أن بدأت ومخلفات ذلك الفعل الشنيع تعيش معه طيلة حياته طفلًا ثم راشدًا …

العلاج النفسي يمكن الضحايا من التعامل مع تلك الذكريات بشيء من الإيجابية والواقعية لكن لا يمحو أبدًا محتوى الذكريات!

أطفالنا ليسوا بأشياء نمتلكها بل هم أشخاص لهم شخصيات وكيانات من واجبنا احترامهم وهذا لا يقلل قط من وقار أو مكانة الآباء!

فلنعالج أنفسنا حتى لا نجلب للعالم أطفالًا أكثر مرضًا مما نحن عليه، لعل عالمهم يكون أجمل وأكثر أمنًا من عالمنا…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد