ما تبدى، أن تكرار الحديث عن «انتقاء التعاطف» يكاد يكون بلا فائدة، فالانتقاء المذكور يبدو بحسب دراسات علمية خصيصة بشرية. التأثر بالكارثة أو المرض أو القضية التي تستدعي التعاطف يبلغ أوجه مع الحالة الواحدة، لكن تكرار ذات الحالة لا يزيده بل يؤدي لنتيجة عكسية مؤداها الإقلال. يؤكد هذا أن الأمر لا يعني – بالضرورة – رخص الإنسان الشرقي مقارنة بالآخر الغربي، اللهم أن الشرقي يتعرض لحوادث كثيرة اعتاد الآخر على رؤيتها فلم تعد تحفز مشاعره، بينما من النادر تعرض الغربي لحوادث، فيصبح التعاطف معه أعلى في حال حدثت.

يعلم المبدأ السابق جيدًا القائمين على الحملات الإعلامية، لذلك تراهم يقدمون فردًا واحدًا أو قصة واحدة أو مشكلة واحدة يخاطبون بها المشاهد، في حين أن تكرار الحالات والقصص لن يؤدي الغرض المطلوب. لذلك تعلمنا معالجة قصة واحدة في الرواية أو الفيلم الذي نشرع في كتابته كي نضمن تفاعل الجمهور مع منتوجنا النهائي، مقارنة مع ما يحصل في حال إصرارنا على علاج مشاكل الشرق الأوسط في سيناريو واحد.

أومن أن العوالم الافتراضية انعكاس لمكنونات البشر التي تختلج صدورهم ولا يجدون لها بثًا، أو التي تخترق مجالسهم، ما يعني أنها ليست افتراضية بحتة كما تُقدم حين يُود تسخيف قضية تثار هناك. القصص التي أثارت جدلًا على مستوى الرأي العام في العوالم الزرقاء تشكل في ماهيتها حالة نادرة وإن تكررت في أوساط أخرى، لكنها من حيث ما يحيط بها من ظروف تشكل حالة متفردة. فحلا شيحة ممثلة مصرية لم تكن محجبة، ثم تحجبت، ثم خلعت الحجاب، وهي – من حيث هي – شخصية كانت قريبة للجمهور بفنها، ثم أنها تزوجت مرتين، والأخيرة كانت من أجنبي أسلم حديثًا، وفوق ذلك ظهر شيخ يتحدث عن الأمر يبكي أمام الكاميرا، وظهرت صديقة قديمة تتحدث عن حلا بأبشع ما يكون.

وعهد التميمي طفلة لاحقتها الكاميرات مذ كان طولها لا يزيد عن شبرين وهي تقارع جنودًا محتلين، ثم كبرت في العمر وشهدت العدسات تحولها لمراهقة بعد أن كانت طفلة، وشكلها ولباسها الذي لا يشبه نسبة من اللباس والشكل الذي صُدر للإعلام وتصوَره الناس عن تلك المنطقة، ثم صفعها لجندي على وجهه، ثم والدها الذي تبين تأييده لمجرم مثير للجدل. هاتان حالتان لا يمكن صب الملامة حول من اختار الحديث حولهما بصوت مرتفع واعتباره يجري نحو القشور، لأن من يلوم يقدم لومه – أيضًا – بطريقة قشرية على هيئة: هناك الملايين يموتون وأنتم تتحدثون عن فلان وعلان.

ما سبق جزء من المشكلة، لا يمكن إغفال التربية البيئية والمدرسية والدينية التي صدرت أناسًا همهم وشغلهم الشاغل المظهر دون الباطن. ففي حين ركزت المدارس الصوفية على التزكية الداخلية وتطهير القلب إلى أن ظهر تصوف متطرف صرف النظر عن كل خارج وأهمل كل شيء سوى القلب، تشكلت مدارس دينية غزت المنطقة العربية ورُفع صوتها بفعل فاعل تطرف منهجها حتى اعتبرت أن الأصل هو المظهر، فيجن جنونها من امرأة غير محجبة، أو شخص يأكل نهار رمضان. تواءم ذلك مع مدرسة ثقافية غربية تنسب النجاح للأكثر قدرة على التملك والاستهلاك، فيجن جنونها من رجل لا يملك «سمارت فون»، أو يضع أبناءه في مدرسة حكومية. لذلك شاهدنا مطربة إماراتية تظهر نفسها بتقليعات في منتهى البذخ تخوض حربًا ضروسًا على «تويتر» لتثبت لأحدهم حرمة دعائه بالرحمة لمسيحي، ومطربًا مصريًا يظهر نفسه باستعلاء وثراء فاحش يدافع عن عدم رضا الناس عما يقدم بأن «كلام ربنا الناس بتديله ديسلايك».

حين تبدى شيء من تغيير وحرية عام 2011، بدأت أسأل من حولي عن جدوى عيشنا إن انصلح كل شيء، وهل سيكون أقصى قضايانا وجود حبة مانجو أصغر من شقيقاتها في صندوق واحد. علمت بعد ذلك أن أحلامي كانت متصوفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد