يقول تعالى «يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلمِ كافة»، يأمرنا الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن نأخذ بكل أوامر الإسلام ونواهيه، وزواجره، وشرائعه، ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، فما بال أهل البدعِ طال لسانهم وتجرأوا! وقسموا ديننا إلى قشرٍ ولُبْ، وصارت هذه المقولة تُدندَنْ على كُل الوسائِل الاجتماعية وتشربها العقول شُربًا، وتهضمها اللذات هضم العسل المصفى، وصار لها أنصار، ودعاة، وأقلام، وصُحف، ومناهِج، وبالرغم من كل ذلك، فإنهم لم يبينوا جوهر الدين كما ادعوا، الذين يدعون التمسك به، إي والله، فكل متملقٍ منهم يزدري كل متمسك بدينه، أنه متخلف متشدد، غير مواكب لروح العصر.

 

قد كانوا يزدرون القشور كاللحية والنقاب، وتبعهم في ذلك كثير، وتنازلوا عما يسمونه قشورًا، واليوم إنهم ليزدرون الحجاب كافة، الحجاب الفرض صار قشورًا، وما عاد عسيرًا على كل ذي بصرٍ أن يبصر فتيات الإسلام حوله، لعمري فأين اللباب وأين القشور؟ إن بقي حالنا على هذا سنجعل في الهبوط ونهبط ونتنازل عن مبادئنا حتى يصير الدين كله قشورًا، ولن يعود فيهِ لب واحد، إنها طامة، والعقول مخدرة نائمة، تسير خلف كلماتهم الصفيقة كالبهائم المعقوصة من أُذنها تدبُ وتسمع وتطيع، ولا تفكر.

 

وباعتبار أن في الدينِ قشورًا، أما وربي لقشر الثمرة حارس أمين على لُبابها، لماذا لا يعيبُ هؤلاء من يهتمون بأحدث القصات العالمية وآخر صيحات الموضة، ويعيبون معهم الفتيات الكاسيات العاريات، اللواتي يضعن على وجوهِهن رطلًا من الألوان، وعلى أجسادهن عُريًا كما الحيوان، وتسيرُ الواحدة منهن متحدثة بألفاظ السوقة، ثم إنني بصفتي مسلمًا متحضرًا كيف لي أن أشحذَ ثقافتي، ومظهري، وفكري، من الأمم الأخرى، من ينهل فكره من الأمم الأخرى إنما هو شحاذ، ومن يأخذه من دينه ونبيه – عليه صلوات ربي- فهو أصيل، أتعيبون رجلًا أن يقول ربي الله!

 

ثم إن هذه القشرة هي التي تحمي الهوية الإسلامية، وهي كما قال علماء السلف «الهدى الظاهر»، ومن رماها عرضةً فإنه سيذوب – لا محالة- بشخصيته الإسلامية، وسوف تتميع وتندثر، وإذا كانت العِبرَة بالجوهر لا المظهر، فكيف إذن «كل إناءٍ بما فيهِ ينضح»، وربي إنها لمغالطة فاحشة وخداع جسيم، فكل منهما – القشر واللب- لا ينفَكُ عن الآخر، وكلاهما وجهان لعملةٍ واحدة، والظاهر هو المعبر عن المضمون، وهو أشبه براية الأمة في الحرب وزي الجندي فيها، فإذا تخليت عن القشرة في حرب الفتن، فإنك ميتُ لا محالة، إنها يا إخواني قضية مبدأ، وليست مجرد شكل ومظهر، واللحية أو النقاب تصير مع الزمن جزءًا لا يتجزأ من شخصية المسلم، ثم انظر إلى أكثر الناس الذين عنوا بالجوهر، هم الذين اهتموا بالمظهر، ولنتعظ بالذي أماط الشوكَ عن الطريق، لو أنه لم يفعل فعلته وقال ما لهذا أهمية، ما غفر الله له بفعلته تلك، ولا تحقرن صغيرةً إن الجبالَ من الحصى، وتخلينا عن مظهرنا الإسلامي النبوي يجعلنا – لا إراديًّا- نتسول صدقات المظاهر من الخارج، ونتشبه بالكافرين والعياذ بالله، وهذا لم يعد بمنأىً عن عيوننا.

 

وفي حديث صحيح عن ابن عباس – رضي الله عنه- قال: «لعن رسول الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهاتِ من النساءِ بالرجال».

 

وعن عائشة – رضي الله عنها- أن جارية من الأنصار تزوجت، ومرضت، فتمعَّط شعرها، فأرادوا أن يصلوها، فسألوا النبي فقال: «لعن الله الواصلة والمستوصلة».

 

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما- قال: رأى رسول الله علىَّ ثوبينِ معصفرينِ فقال «إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها».

 

أي أنه أمر قاطع من النبي – صلى الله عليه وسلم- ألا نتشبه بالغير، وأن النبي اهتم بالمظهر، لدرجة أنه لعن المخالف فيها، فما بالك بمن يزدريها ويطعنها زورًا، ويسبُ من يعضُ عليها، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

 

فيجب أن تبقى أمة التوحيد ظاهرة رايتها، مخالفة لليهود والنصارى وكل ما يخالفها، وقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم-: «لا يزال الدين ظاهرًا، ما عجل الناس الفطر، لأن اليهود والنصارى يؤخرون». فيجب أن نبقى أمة الإسلام أمةً متميزةً عن سائر الأمم قاطبةً، لا تميع فيها ولا انحلال.

 

كما أن لهؤلاء المتحذلقين مفارقات عجيبة، يتهمون تسوية صفوف الصلاة أنها قشور، بينما في الحفلات، والمعسكرات، والمدارس، والاستقبالات ومثلها من قبيلها، فإنهم يأخذون شعار النظام والانضباط، وماذا إذا جاء لأحدهم فقير يخطب ابنته، سوف يعض بنواجزه على الظاهر والقشور والحسب، والنسب، والأطيان، وسوف يهمل الجوهر ويغالي في المهر، وفي جوهر ديننا قال الحبيب: «زوجوا من ترضون دينه وخلقه».

 

وماذا عن المآتم؟ حدث ولا حرج عن المظاهر والقشور، وفخامة البناء كأنه عُرس، بل إن هناك أناسًا يجعلون المأتم في فندق، وتقام دعوات للحضور والعياذ بالله، وتكاليف السرادقات وأجور القارئين والتباهي بالمشاهير منهم، وربما استدانوا لأجل ذلك، ولو أنهم أخذوا بجوهر الدين لوضعوا كل هذه الأموال في الصدقات، وللفقراء وغيرها من الأمور.

 

والذين حافظوا على جوهرهم ومظهرهم سالمين غير مدنسين، ثبتهم الله في زمان الغربة الثانية، يأملون شيئًا واحدًا فقط، أن يتركهم الإعلام وضلالاته وأفلامه – التي تصورهم بأقذر وأشنع الصور- في حالهم، وأن يتركوا لهم الحرية التي ينادون بها، ألهم حلال وعلينا حرام، وكما قال شوقي:

أحرام على بلابلهِ الدوحُ … حلال للطير من كل جنس

 

فلكم قشرتكم ولنا قشرتنا، إنهم يريدون فقط أن تتركوهم وشأنهم، ولم كل هذه الجلبة إنها فئة مستضعفة، لكنكم تهابونها لأنها على الحق، والحق دومًا عرضة لسهام الأباطيل، حرب تصدر لها قرارات، وتقام اجتماعات، وتُشاد مناظرات، وتُجيش جيوش، وتُبْنى زنازين، كأننا من بلدٍ غريب، وإننا لأصحاب الدار، وأختم بسؤال: كيف لكم تنبذون قشرة الإسلام سنن النبي – صلى الله عليه وسلم- وترمون اللحية والنقاب بالتخلف والعياذ بالله، وترحبون بحلق اللحى، والأكل بالشمال، وكساء النساء بالعري، ونتف الحواجب، وزخرفة الجفون، وطلاء الشفاه، وسير الغواني، ومشي الراقصات، وتدخنون البايب والسيجار، وتشربون الكحول، وتنتجون الأفلام الداعرة بحجة حرية الفكر والفن، وغيرها الكثير مما لا يتشرف بذكره قلمي، بالله عليكم من اهتم بالقشور ومن اهتم بالجوهر؟!

 

ولا نحاسبكم أنكم تركتموها، لكن نأمل منكم ألا تتمسكوا بها، وأن تعجلوا في إقامة الحرية التي تدعونها، ودعوا سنة النبي تمضي، ولا تَعرضوا لها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد