لم يعد السجن هو العقوبة الأمثل والأصلح للتصدي للجريمة، حسب معظم فقهاء القانون، بل أصبح في كثير من الأحيان والبلدان مصدرًا مولدًا للجرائم والمجرمين، ففي كثير من الأحيان يدخله الإنسان إنسانًا مخطئًا ومقترفًا لذنب معين، لكن يخرج منه مجرمًا متشبعًا بالحقد والكراهية والأفكار الإجرامية؛ بسبب ما عاشه هناك. وعلى اعتبار أن السياسة الجنائية هي أولًا وأخيرًا تهدف إلى وقاية المجتمع من الجريمة، والتصدي للمجرمين؛ حفاظًا على استقراره، فإن كثيرًا من الدول أعادت النظر في مؤسسة السجن، ومن ثم ظهرت ما تسمى بالعقوبات البديلة، والعقوبات البدلية كثيرة جدًّا، لكن أهمها هي عقوبة العمل للنفع العام، وأهميتها هذه ترجع إلى مجموعة من العناصر التي سنحاول الإحاطة بها في مقالنا هذا.

عقوبة العمل للمصلحة العامة هي عمل بلا مقابل لمصلحة شخص معنوي عام، أو جمعية مخول لها القيام بأعمال تحقق المصلحة العامة، ومن الناحية التاريخية، فإن هذه العقوبة نشأت في الأصل في الولايات المتحدة الأمريكية، ومنها انتقلت إلى الدول الأوروبية، مثل فرنسا، والتي بدأ العمل فيها بهذه العقوبة منذ سنة 1993.

وتكمن أهمية هذه العقوبة في أنها تجنب الأفراد المحكوم عليهم الاختلاط بالمجرمين داخل السجون، بل أكثر من ذلك، فهي تُحَولُ المحكوم عليه من شخص لا يقدم أي خدمة للمجتمع إلى فرد ملزم بتحقيق الصالح العام وخدمته، وفي الوقت نفسه خاضعًا للرقابة والاِشراف، بما يضمن حماية المجتمع منه، وكذا حماية هذا الشخص من أي انحراف وأي إجرام. كما أن هذه العقوبة -بشكل واضح- تخفض التكاليف والمصاريف التي يتطلبها وضع المحكوم عليه داخل مؤسسة السجن. إضافة إلى أنها تُكسب الشخص خبرة، وتساعد على تأهيله نفسيًّا واجتماعيًّا.

إن هذه العقوبة، حسب القانون الجنائي الفرنسي طبعًا، قد تكون عقوبة بديلة لعقوبة الحبس في الجنح، وقد تكون عقوبة تكميلية لبعض جرائم المرور، كما أنه لا يمكن أن يخضع المحكوم عليه لعقوبة حبسية أو غرامة وعقوبة العمل للمصلحة العامة في الوقت نفسه، أي إن الحكم القضائي لا يمكن أن يجتمع فيه الحبس أو الغرامة، مع عقوبة العمل للصالح العام.

وعلى اعتبار أن هذه العقوبة هدفها هو تجنيب الجناة غير الخطرين، الاختلاط بالجناة الخطرين داخل السجون؛ لكي لا يتعرضوا لمساوئ الحبس قصير المدة، ومن أجل أن يجعل هذه العقوبة ناجحة ومحققة أهدافها، فقد أحاطها المشرع الفرنسي بمجموعة من الشروط، أهمها: أن يُحكم بهذه العقوبة على الجنح المعاقب عليها بالحبس، وكذا استبعاد الجرائم الكبيرة من تطبيق هذه العقوبة. ومن أهم الجرائم التي يطبق فيها العمل للصالح العام نجد: جرائم الضرب، القيادة بدون رخصة، القيادة في حالة سكر، جرائم السرقة وجريمة إخفاء الأشياء المسروقة.

ومن الشروط المهمة كذلك في هذه العقوبة، أنه يجب ألا يحكم بها القاضي إلا إذا كان المحكوم عليه قد حضر الجلسة ورضي بهذه العقوبة صراحة، وهذا يجعل هذه العقوبة مختلفة عن باقي العقوبات؛ إذ يشترط رضى المحكوم عليه؛ لكي يحق للقاضي الحكم بها. وتجدر الإشارة إلى أن ساعات العمل للصالح العام، حسب القانون الفرنسي، يجب ألا تقل عن 40 ساعة، و240 ساعة عمل، ويجب على القاضي أن يحدد المدة التي سينفذ فيها المحكوم عليه العمل في مدة لا تتجاوز 18 شهرًا، مع الأخذ بعين الاعتبار أن العمل قد ينتهي قبل المدة المحددة من طرف القاضي، ومع ذلك تنتهي العقوبة عند انتهاء العمل المحدد.

ختامًا يمكن عد هذه العقوبة البديلة عقوبة غير تقليدية، وعقوبة لها من الإيجابيات ما يكفي لكي تكون عقوبة بديلة للحبس، فيكفي أنها تحافظ على الإنسان من كل ما قد يفسده داخل الزنزانة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

قانون المسطرة الجنائية الفرنسي
عرض التعليقات
تحميل المزيد